كتاب الأهوال لابن أبي الدنيا - ط أطلس الخضراء = مقابل

فَتَكُونُ الأَرْضُ كَالسَّفِينَةِ الموبقة, تَضْرِبُهَا الأَمْوَاجُ فِي الْبَحْرِ، تُكْفَأُ بِأَهْلِهَا, أَوْ كَالْقِنْدِيلِ الْمُعَلَّقِ بِالْعَرْشِ، فَتَرْجُفُ الأَرْضُ, فَيَهِيمُ النَّاسُ عَلَى وَجْهِهَا، وَتَذْهَلُ الْمَرَاضِعُ، وَتَضَعُ الْحَوَامِلُ، وَيَشِيبُ الْوِلْدَانُ، وَتَطِيرُ الشَّيَاطِينُ هَارِبَةً فتَلَقَّاهَا الْمَلاَئِكَةُ، فَتَضْرِبُ وُجُوهَهَا فَتَرْجِعُ، وَيُوَلِّي النَّاسُ مُدْبِرِينَ، [يُنَادِي بعضهم] (1) بعضا، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ: {يَوْمَ التَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ}،
فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْحَالِ, إِذْ نَظَرُوا إِلَى الأَرْضِ قَدْ تَصَدَّعَتْ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، فَرَأَوْا أَمْرًا عَظِيمًا، فَأَخَذَهُمْ لِذَلِكَ مِنَ الْكَرْبِ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ, فَيَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا هِيَ كَالْمُهْلِ، خُسِفَ شَمْسُهَا, وَقَمَرُهَا، وَانْتَثَرَتْ نُجُومُهَا، ثُمَّ كُشِطَتْ عَنْهُمْ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: والأَمْوَاتُ لاَ يَعْلَمُونَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ, قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ حِينَ يَقُولُ: {فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ}؟ قَالَ: أُولَئِكَ الشُّهَدَاءُ، هُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَأَمَّنَهُمْ مِنْ عِقَابِهِ، وَإِنَّمَا يَصِلُ الْفَزَعُ إِلَى الأَحْيَاءِ، وَهُوَ عَذَابُ اللهِ يَبْعَثُهُ عَلَى شِرَارِ خَلْقِهِ، ثُمَّ يَقُولُ لِإِسْرَافِيلَ: انْفُخْ نَفْخَةَ الصَّعْقِ، فَيَنْفُخُ نَفْخَةَ الصَّعْقِ، فَيَصْعَقُ أَهْلُ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ, إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ حِينَ نُفِخَ فِي الصُّورِ، فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ, إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَحَمَلَةُ الْعَرْشِ وَمَلَكُ الْمَوْتِ، حَتَّى إِذَا خَمَدُوا, جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى الْجَبَّارِ, فَقَالَ: يَا رَبِّ, قَدْ مَاتَ أَهْلُ الأَرْضِ وَأَهْلُ السَّمَاءِ، فَيَقُولُ اللَّهُ وَهُوَ أَعْلَمُ: مَنْ بَقِيَ؟ فَيَقُولُ: بَقِيتَ أَنْتَ يَا رَبِّ، الْحَيُّ الَّذِي لاَ تَمُوتُ، وَبَقِيَ جِبْرِيلُ, وَمِيكَائِيلُ, وَحَمَلَةُ الْعَرْشِ، وَبَقِيتُ أَنَا، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَلْيَمُتْ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، فَيَمُوتُونَ، وَيَأْمُرُ اللَّهُ الْعَرْشَ فَيَقْبِضُ الصُّورَ, ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى الْجَبَّارِ, فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، قَدْ مَاتَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، فَيَقُولُ اللَّهُ وَهُوَ أَعْلَمُ: مَنْ بَقِيَ؟ فَيَقُولُ: بَقِيتَ أَنْتَ يَا رَبِّ، الْحَيُّ الَّذِي لاَ تَمُوتُ، وَبَقِيَ جِبْرِيلُ, وَمِيكَائِيلُ، وَبَقِيتُ أَنَا، فَيَقُولُ اللَّهُ: فَلْيَمُتْ جِبْرِيلُ, وَمِيكَائِيلُ، فَيَمُوتَانِ، وَيُنْطِقُ اللَّهُ الْعَرْشَ, فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، تُمِيتُ جِبْرِيلَ, وَمِيكَائِيلَ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: اسْكُتْ، فَإِنِّي كَتَبْتُ الْمَوْتَ عَلَى مَنْ تَحْتَ عَرْشِي، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى الْجَبَّارِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، مَاتَ جِبْرِيلُ, وَمِيكَائِيلُ,

الصفحة 516

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text