كتاب الأولياء لابن أبي الدنيا - ط أطلس الخضراء = مقابل

118 - حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ البزار، قال: حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ الْحَنَّاطُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ ابْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: لَمَّا بَعَثَ اللهُ مُوسَى, وَهَارُونَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ إِلَى فِرْعَوْنَ، قَالَ: لاَ يَرُعْكُمَا لِبَاسُهُ الَّذِي لَبِسَ من الدُّنْيَا، فَإِنَّ نَاصِيَتَهُ بِيَدِي، لَيْسَ يَنْطِقُ, وَلاَ يَطْرُفُ, وَلاَ يَتَنَفَّسَ إِلاَّ بِإِذْنِي، وَلاَ يُعْجِبْكُمَا مَا مُتِّعَ بِهِ مِنْهَا, فَإِنَّمَا هِيَ زَهْرَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَزِينَةُ الْمُتْرَفِينَ، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أُزَيِّنَكُمَا بِزِينَةٍ مِنَ الدُّنْيَا, لَعَرَفَ فِرْعَوْنُ حِينَ يَرَاهَا أَنَّ مَقْدِرَتَهُ تَعْجَزُ عَمَّا أُوتِيتُمَا لَفَعَلْتُ، وَلَكِنِّي أَرْغَبُ بِكُمَا عَنْ ذَلِكَ، فَأَزْوِي ذَلِكَ عَنْكُمَا، وَكَذَلِكَ أَفْعَلُ بِأَوْلِيَائِي، وَقَدِيمًا مَا حِزْتُ لَهُمْ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا، وَإِنِّي لأَذُودُهُمْ عَنْ نَعِيمِهَا كَمَا يَذُودُ الرَّاعِي المشفقُ غَنَمَهُ عَنْ مَرَاتِعِ الْهَلَكَةِ، وَإِنِّي لَأُجَنِّبُهُمْ سَلْوَتَهَا كَمَا يُجَنِّبُ الرَّاعِي الشَّفِيقُ إبله عَنْ مَبَارِكِ الْعَرَةِ، وَمَا ذَاكَ لِهَوَانِهِمْ عَلَيَّ، وَلَكِنْ لِيَسْتَكْمِلُوا نَصِيبَهُمْ مِنْ كَرَامَتِي سالما مُوَفَّرًا، لَمْ يَكْلَمْهُ الطَّمَعُ، وَلَمْ تَنْقُصْهُ الدُّنْيَا بِغُرُورِهَا، إِنَّمَا يَتَزَيَّنُ لِي أَوْلِيَائِي بِالْخُشُوعِ، وَالذَّلِّ، وَالْخَوْفِ، وَالتَّقْوَى تَثْبُتُ فِي قُلُوبِهِمْ, فَتَظْهَرُ عَلَى أَجْسَادِهِمْ، فَهُوَ ثِيَابُهُمُ الَّتِي يَلْبَسُونَ، وَدِثَارُهُمُ الَّذِي يُظْهِرُونَ، وَضَمِيرُهُمُ الَّذِي يَسْتَشْعِرُونَ، وَنَجَاتُهُمُ الَّتِي بِهَا يَفُوزُونَ، وَرَجَاؤُهُمُ الَّذِي إِيَّاهُ يَأْمَلُونَ، وَمَجْدُهُمُ الَّذِي بِهِ يَفْخَرُونَ، وَسِيمَاهُمُ الَّتِي بِهَا يُعْرَفُونَ، فَإِذَا لَقِيتَهُمْ, فَاخْفِضْ لَهُمْ جَنَاحَكَ، وَذَلِّلْ لَهُمْ قَلْبَكَ وَلِسَانَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ مَنْ أَخَافَ لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ، ثُمَّ أَنَا الثَّائِرُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

الصفحة 646

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text