كتاب التحبير لإيضاح معاني التيسير (اسم الجزء: 2)

قوله: "فطارا" زاد في رواية: فوقع واحد باليمامة والآخر باليمن، وفي ذلك إشارة إلى حقارتهما؛ لأن الذي ينفخ فيذهب بالنفخ إنما يكون في غاية الحقارة، وفي طيرانهما إشارة إلى حقارة أمرهما واضمحلال شأنهما.
قوله: "فأولتهما الكاذبين اللذين أنا بينهما" قال القرطبي (¬1): ما ملخصه: مناسبة هذا التأويل لهذه الرؤيا أن أهل صنعاء وأهل اليمامة كانوا قد أسلموا وكانوا كالساعدين للإسلام، فلما ظهر فيهما الكذابان [477/ ب] وبهرجا على أهلهما زخرفا أقوالهما، ودعواهما الباطلة، فانخدع أكثرهم بذلك، فكان اليدان بمنزلة البلدين، والسواران بمنزلة الكذابين، وهو ظاهر أنهما كانا حين قص الرؤيا موجودين، ووقع في صحيح مسلم (¬2) يخرجان بعدي.
قال القاضي (¬3): أي: يظهر أمرهما وشأنهما بعده [- صلى الله عليه وسلم -] (¬4) وإلا فقد كانا موجودين في عصره، فإن الأسود العنسي ظهر بصنعاء في حياته - صلى الله عليه وسلم -، وادعى النبوة، وعظمت شوكته، وحارب المسلمين، وفتك فيهم وغلب على البلد، وآل أمره إلى أن قتل في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأما مسيلمة فادعى النبوة في حياته - صلى الله عليه وسلم - لكن لم تعظم شوكته ولم تقع محاربته إلا في عهد أبي بكر، قال ابن العربي (¬5): يحتمل أن التأويل منه - صلى الله عليه وسلم - كان بوحي، ويحتمل أن يكون تفاءل بذلك عليهما دفعاً لحالهما، وأخرج المنام عليهما؛ لأن الرؤيا إذا عبرت وقعت.
3 - وَعَنْ أَبِي مُوسَى - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنَّي أُهاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِها نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهِلي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ، وَرَأَيْتُ
¬__________
(¬1) في "المفهم" (6/ 44).
(¬2) في صحيحه رقم (2274).
(¬3) في "إكمال المعلم بفوائد مسلم" (7/ 234) للقاضي عياض.
(¬4) زيادة من (أ).
(¬5) في "العارضة" (9/ 159).

الصفحة 533