" صفحة رقم 129 "
جنتك وباعدتنا من نارك ؟ فيقول : ولكم عندي أفضل من ذلك ، فيقولون : يا ربنا ، وما أفضل من ذلك ؟ فيقول : أحل عليكم رضائي فلا أسخط عليكم بعده .
( وَاللَّهُ رَءوفٌ بِالْعِبَادِ ( حيث كلفهم بالجهاد فعرضهم لثواب الشهداء ، قاله الزمخشري ؛ وقال ابن عطية : ترجئة تقتضي الحض على إمتثال ما وقع به المدح في الآية ، كما في قوله : ) فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ( تخويف يقتضي التحذير مما وقع به الذمّ ، وتقدّم أن الرأفة أبلغ من الرحمة .
والعباد إن كان عاماً ، فرأفته بالكافرين إمهالهم إلى انقضاء آجالهم ، وتيسير أرزاقهم لهم ، ورأفته بالمؤمنين تهيئته إياهم لطاعته ، ورفع درجاتهم في الجنة . وإن كان خاصاً ، وهو الأظهر ، لأنه لما ختم الآية بالوعيد من قوله : ) فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ( وكان ذلك خاصاً بأولئك الكفار ، ختم هذه بالوعد المبشر لهم بحسن الثواب ، وجزيل المآب ، ودل على ذلك بالرأفة التي هي سبب لذلك ، فصار ذلك كناية عن إحسان الله إليهم ، لأن رأفته بهم تستدعي جميع أنواع الإحسان ، ولو ذكر أي نوع من الإحسان لم يفد ما أفاده لفظ الرأفة ، ولذلك كانت الكناية أبلغ ، ويكون إذ ذاك في لفظ : العباد ، التفاتاً ، إذ هو خروج من ضمير غائب مفرد إلى اسم ظاهر ، فلو جرى على نظم الكلام السابق لكان : والله رؤوف به أو بهم ، وحسن الالتفات هنا بهذا الاسم الظاهر شيئان ، أحدهما : أن لفظ : العباد ، له في استعمال القرآن تشريف واختصاص ، كقوله : ) إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ( ) سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً ( ) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ( ) بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ ).
والثاني : مجيء اللفظة فاصلة ، لأن قبله : ) وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ( فناسب : ) وَاللَّهُ رَءوفٌ بِالْعِبَادِ ).
وفي هذه الآية ، والتي قبلها من علم البديع : وقد ذكرنا مناسبة هذا التقسيم للتقسيم السابق قبله في قوله : ) فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا ءاتِنَا فِى الدُّنْيَا ( قال بعض الناس : في هذه الآيات نوع من البديع ، وهو التقديم والتأخير ، وهو من ضروب البيان في النثر والنظم دليل على قوة الملكة في ضروب من الكلام ، وذلك قوله : ) وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِى أَيَّامٍ مَّعْدُوداتٍ ( متقدم على قوله : ) فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ( لأن قوله : ) وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِى أَيَّامٍ مَّعْدُوداتٍ ( معطوف عليه ، قوله : ) فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ ( وقوله : ) فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ( معطوف على قوله : ) وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ( وقوله : ) وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ( معطوف على قوله : ) وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ ( وعلى قوله : ) وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى ( فيصير الكلام معطوفاً على الذكر لأنه مناسب لما قبله من المعنى ، ويصير التقسيم معطوفاً بعضه على بعض ، لأن التقسيم الأول في معنى الثاني ، فيتحد المعنى ويتسق اللفظ ، ثم قال : ومثل هذا ، قد ذكر قصة البقرة ، وقتل النفس ، وقصة المتوفى عنها زوجها ، في الآيتين ، قال : ومثل هذا في القرآن كثير ، يعني : التقديم والتأخير ، ولا يذهب إلى ما ذكره ، ولا تقديم ولا تأخير في القرآن ، لأن التقديم والتأخير عندنا من باب الضرورات ، وتنزه كتاب الله تعالى عنه .
البقرة : ( 208 ) يا أيها الذين . . . . .
( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السّلْمِ كَافَّةً ( نزلت في عبد الله بن سلام ومن أسلم معه ، كانوا يتقون السبت ، ولحم الحمل ، وأشياء تتقيها أهل الكتاب ، قاله عكرمة ، ورواه أبو صالح عن ابن عباس ، أو : في أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، قاله الضحاك . وروي عن ابن عباس : أو في المسلمين يأمرهم بالدخول في شرائع الإسلام ، قاله مجاهد ، وقتادة . أو : في المنافقين ، واحتج لهذا بورودها