كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 2)

" صفحة رقم 137 "
حسبما وقعت على لسان من لم يدارس الكتب ولا العلماء ، ولا كتب ولا ارتجل ، أو معجزات رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) : كتسبيح الحصى ، وتفجير الماء من بين أصابعه ، وانشقاق القمر ، وتسليم الحجر ، أربعة أقوال ، وقدروا بعد قوله : من آية بينة ، محذوفاً ، فقدّره بعضهم : فكذبوا بها ، وبعضهم : فبدلوها .
( وَمَن يُبَدّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ ( نعمة الله : الحجج الواضحة الدالة على أمره : ( صلى الله عليه وسلم ) ) يبدل بها التشبيه والتأويلات ، أو ما ورد في كتاب الله من نعته . ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، يبدل به نعت الدجال ، أو الإعتراف بنبوته يبدل لها الحجد لها ، أو كتب الله المنزلة على موسى وعيسى على نبينا وعليهم السلام يبدل بها غير أحكامها كآية الرجم وشبهها ، أو الإسلام . قاله الطبري ؛ أو شكر النعمة يبدل بها الكفر أو آياته وهي أجل نعمة من الله ، لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلاله ، وتبديلهم إياها ، أن الله أظهرها لتكون أسباب هداهم ، فجعلوها أسباب ضلالتهم ، كقوله : ) فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ ( قاله الزمخشري : سبعة أقوال .
ولفظ : من يبدل ، عام وهو شرط ، فيندرج فيه مع بني إسرائيل كل مبدل نعمه : ككفار قريش وغيرهم ، فإن بعثه محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ) نعمة عليهم ، وقد بدلوا بالشكر عليها وقبولها الكفر .
( مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ ( أي : من بعدما أسديت إليه ، وتمكن من قبولها ، ومن بعدما عرفها كقوله : ) ثُمَّ يُحَرّفُونَهُ مِن بَعْدَمَا عَقَلُوهُ ( وأتى بلفظ : من ، إشعاراً بابتداء الغاية ، وأنه يعقب : ما جاءته ، يبدله . وفي قوله : ) مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ ( تأكيد ، لأن إمكانية التبديل منه متوقفة على الوصول إليه .
وقرىء : ومن . يبدل بالتخفيف ، و . يبدلَ ، يحتاج لمفعولين : مبدل ومبدل له ، فالمبدل هو الذي يتعدى إليه الفعل بحرف جر ، والبدل هو الذي يتعدى إليه الفعل بنفسه ، ويجوز حذف حرف الجر لفهم المعنى ، وتقدم الكلام على هذا في قوله : ) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ ( وإذا تقرر هذا ، فالمفعول الواحد هنا محذوف ، وهو البدل ، والأجود أن يقدر مثل ما لفظ به في قوله : ) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا ( : فكفراً هو البدل ، ونعمة الله ، هو المبدل ، وهو الذي أصله : أن يتعدى إليه الفعل بحرف الجر ، فالتقدير إذن : ومن يبدل نعمة الله كفراً ، وجاز حذف المفعول الواحد وحرف الجر لفهم المعنى ، ولترتيب جواب الشرط على ما قبله فإنه يدل على ذلك ، لأنه لا يترتب على تقدير : أن يكون النعمة هي البدل ، والكفر هو المبدل أن يجاب بقوله : ) فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( خبر يتضمن الوعيد ، ومن حذف حرف الجر الدلالة المعنى قوله : ) فَأُوْلَئِكَ يُبَدّلُ اللَّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ( أي : بسيئاتهم ، ولا يصح أن يكون التقدير : سيئاتهم بحسنات ، فتكون السيئات هي البدل ، والحسنات هي المبدل ، لأن ذلك لا يترتب على قوله : ) إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ( ) فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( خبر يتضمن الوعيد بالعقاب على من بدل نعمة الله ، فإن كان جواب الشرط فلا بد من تقدير عائد في الجملة على اسم الشرط ، تقديره : فان الله شديد العقاب له ، أو تكون الألف واللام معاقبة للضمير على مذهب الكوفيين ، فيغنى عن الربط لقيامها مقام الضمير ، وأَلاوْلى أن يكون الجواب محذوفاً لدلالة ما بعده عليه ، التقدير : يعاقبه .
قال عبد القاهر في كتاب ( دلائل الإعجار ) : ترك هذا الإضمار أَوْلى ، يعنى بالإضمار شديد العقاب له ، لأن المقصود من الآية التخويف لكونه في ذلك موصوفاً بأنه شديد العقاب ، من غير التفات إلى كونه شديد العقاب . لهذا ، ولذلك سمى العذاب عقاباً ، لأنه يعقب الجرم .
وذكر بعض من جمع في التفسير : أن هذه الآية : ) سَلْ بَنِى إِسْراءيلَ ( مؤخرة في التلاوة ، مقدمة في المعنى ، والخطاب للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، قال : والتقدير : فإن زللتم إلى آخر الآية : سل يا محمد بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة فما اعتبروا ولا أذعنوا إليها ، هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ؟ أي : أنهم لا يؤمنون حتى يأتيهم الله . انتهى .
ولا حاجة إلى ادّعاء التقديم والتأخير ، بل هذه الآية على ترتبها أخذ بعضها بعنق بعض ، متلاحمة

الصفحة 137