كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 2)

" صفحة رقم 140 "
التوسعة عليكم من جهة الله لما فيها من الحكمة ، وهي استدارجكم بالنعمة ، ولو كانت كرامة لكان أولياؤه المؤمنون أحق بها منكم ، انتهى كلامه .
ولم يذكر غيره في معنى هذه الجمله .
وقال ابن عطية : يحتمل أن يكون المعنى : والله يرزق هؤلاء الكفرة في الدنيا ، فلا تستعظموا ذلك ، ولا تقيسوا عليه الآخرة ، فإن الرزق ليس على قدر الكفر والإيمان ، بل يحسب لهذا عمله وهذا عمله ، فيرزقان بحساب ذلك ، بل الرزق بغير حساب الأعمال ، والأعمال مجازاتها محاسبة ومعادة ، إذ أجزاء الجزاء تقابل أجزاء الفعل المجازى عليه ، فالمعنى : إن المؤمن وإن لم يرزق في الدنيا ، فهو فوق الكافر يوم القيامة . إنتهى كلامه . والذي يظهر عدم تخصيص الرزق بإحدى الطائفتين ، بل لما ذكر حاليهما من سخرية الكفار بهم في الدنيا ، بسبب ما رزقوا : من التمكن فيها ، والرياسة ، والبسط ، وتعالي المؤمنين عليهم في الآخرة . بسبب ما رزقوا من : الفوز ، والتفرد بالنعيم السرمدي ، بيَّن أن ما يفعله من ذلك ويرزقه إياه إنما هو راجع لمشيئته السابقة ، وأنه لا يحاسبه أحد ، ولا يحاسب نفسه على ما يعطي ، لأن ذلك لا يكون إلاَّ لمن يخاف نفاذ ما عنده .
وقالوا في الحديث الصحيح : ( يمين الله ملآى لا ينقصها شيء ما أنفق منذ خلق السموات والأرض ، فإن ذلك لم ينقص شيئاً مما عنده .
ومفعول يشاء محذوف ، التقدير : من يشاء أن يرزقه ، دل عليه ما قبله ، وبغير حساب تقدمه ثلاثة أشياء يصلح تعلقه بها : الفعل ، والفاعل ، والمفعول الأول وهو : من فإن كان للفعل فهو من صفات المصدر ، وإن كان للفاعل فهو من صفاته ، أو للمفعول فهو من صفاته ، فإذا كان للفعل كان المعنى : يرزق من يشاء رزقاً غير حساب ، أي : غير ذى حساب ، ويعني بالحساب : العد ، فهو لا يحصي ولا يحصر من كثرته ، أو يعني به المحاسبة في الآخرة ، أي : رزقاً لا يقع عليه حساب في الآخرة ، وتكون على هذا الباء زائدة .
وإذا كان للفاعل كان في موضع الحال : المعنى يرزق الله غير محاسب عليه ، أي متفضلاٍ في إعطائه لا يحاسب عليه ، أو غير عادٍ عليه ما يعطيه ، ويكون ذلك مجازاً عن التقتير والتضييق ، فيكون : حساب مصدراً عبر به عن اسم الفاعل من : حاسب ، أو عن اسم الفاعل من : حسب ، وتكون الباء زائدة في الحال ، وقد قيل : إن الباء زيدت في الحال المنفية ، وهذه الحال لم يتقدمها نفي ، ومما قيل : إنها زيدت في الحال المنفية قول الشاعر : فما رجعت بخائبة ركاب
أي : فلما رجعت خائبة ، ويحتمل في هذا الوجه أن يكون حساب مصدراً عبر به عن اسم المفعول ، أي : غير محاسب على ما يعطي تعالى ، أي : لا أحد يحاسب الله تعالى ما منح ، فعطاؤه غمراً لا نهاية له .
وإذا كان : لمن ، وهو المفعول الأول ليرزق ، فالمعنى : إن المرزوق غير محاسب على ما يرزقه الله تعالى ، فيكون أيضاً حالاً منه ، ويقع الحساب الذي هو المصدر على المفعول الذي هو محاسب من حاسب ، أو المفعول من حسب ، أي : غير معدود عليه ما رزق ، أو على حذف مضاف أي : غير ذي حساب ، ويعني بالحساب : المحاسبة أو العد ، والباء زائدة في هذه الحال أيضاً . ويحتمل في هذا الوجه أن يكون المعنى : أنه يرزق من حيث لا يحتسب ، أي : من حيث لا يظن ، ولا يقدر أن يأتيه الرزق ، كما قال : ) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ ( فيكون حالاً أيضاً أي : غير محتسب ، وهذه الأوجه كلها متكلفة ، وفيها زيادة الباء .
والأولى أن تكون الباء للمصاحبة ، وهي التي يعبر عنها بباء الحال ، وعلى هذا يصلح أن تكون : للمصدر ، وللفاعل ، وللمفعول ، ويكون الحساب مراداً به المحاسبة ، أو العد ، أي : يرزق من يشاء ولا حساب على الرزق ، أو : ولا حساب للرازق ، أو ولا حساب على المرزوق .
وكون الباء لها معنى أَوْلى من كونها زائدة ، وكون المصدر باقياً على المصدرية أولى من كونه مجازاً عن اسم فاعل أو أسم مفعول وكونه مضافاً لغير أولى من جعله مضافاً لذي محذوفة ، ولا تعارض بين قوله : ) جَزَاء مّن رَّبّكَ عَطَاء حِسَاباً ( أي : محسباً أي : كافياً من : أحسبني كذا ، إذا كفاك ، وبغير حساب معناه العد ، أو المحاسبة ، أو لاختلاف

الصفحة 140