" صفحة رقم 149 "
والمسّ هنا معناه : الإصابة ، وهو حقيقة في المسّ باليد ، فهو هنا مجاز .
وأجاز أبو البقاء أن تكون الجملة من قولهم : مستهم ، في موضع الحال على إضمار قد ، وفيه بعد ، وتكون الحال إذ ذاك من ضمير الفاعل في : خلوا .
وتقدّم شرح : البأساء والضراء ، في قوله تعالى : ) وَالصَّابِرِينَ فِى الْبَأْسَاء والضَّرَّاء ( ) وَزُلْزِلُواْ ( أي أزعجوا إعاجاً شديداً بالزلزلة ، وبني الفعل للمفعول ، وحذف الفاعل للعلم به ، أي : وزلزلهم أعداؤهم .
( حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ ( قرأ الأعمش : وزلوا ، و : يقول الرسول ، بالواو بدل : حتى ، وفي مصحف عبد الله : وزلزلوا ثم زلزلوا ويقول الرسول .
وقرأ الجمهور : حتى ، والفعل بعدها منصوب إما على الغاية ، وأما على التعليل ، أي : وزلزلوا إلى أن يقول الرسول ، أو : وزلزلوا كي يقول الرسول ، والمعنى الأول أظهر ، لأن المس والزلزال ليسا معلولين لقول الرسول والمؤمنين .
وقرأ نافع برفع ، يقول : بعد حتى ، وإذا كان المضارع بعد حتى فعل حال فلا يخلو أن يكون حالاً في حين الإخبار ، نحو : مرض حتى لا يرجونه ، وإما أن يكون حالاً قد مضت ، فيحكيها على ما وقعت ، فيرفع الفعل على أحد هذين الوجهين ، والمراد به هنا المضي ، فيكون حالاً محكية ، إذ المعنى : وزلزلوا فقال الرسول ، وقد تكلمنا على مسائل : حتى ، في كتاب ( التكميل ) وأشبعنا الكلام عليها هناك ، وتقدّم الكلام عليها في هذا الكتاب .
( وَالَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ ( يحتمل معه أن يكون منصوباً بيقول ، ويحتمل أن يكون منصوباً بآمنوا .
( مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ( متى : سؤال عن الوقت ، فقيل : ذلك على سبيل الدعاء لله تعالى ، والاستعلام لوقت النصر ، فأجابهم الله تعالى فقال : ألا إن نصر الله قريب ، وقيل : ذلك على سبيل الاستبطاء ، إذ ما حصل لهم من الشدّة والابتلاء والزلزال هو الغاية القصوى ، وتناهى ذلك وتمادى بالمؤمنين إلى أن نطقوا بهذا الكلام ، فقيل : ذلك لهم إجابة لهم إلى طلبهم من تعجيل النصر ، والذي يقتضيه النظر أن تكون الجملتان داخلتين تحت القول ، وأن الجملة الأولى من قول المؤمنين ، قالوا ذلك استبطاءً للنصر وضجراً مما نالهم من الشدّة ، والجملة الثانية من قول رسولهم إجابة لهم وإعلاماً بقرب النصر ، فتعود كل جملة لمن يناسبها ، وصح نسبة المجموع للمجموع لا نسبة المجموع لكل نوع من القائلين .
وتقدّم نظير هذا في بعض التخاريج لقوله تعالى : ) قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ ( وإن قوله : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء من قول إبليس ، وإن قوله : ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك من قول الملائكة عن إبليس ، وكان الجواب ذلك لما انتظم إبليس في الخطاب مع الملائكة في قوله : ) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِى الارْضِ خَلِيفَةً ).
وقالت طائفة : في الكلام تقديم وتأخير ، التقدير : حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله ؟ فيقول الرسول : ألا إن نصر الله قريب ، فقدم الرسول في الرتبة لمكانته ، وقدم قول المؤمنين لتقدمه في الزمان .
قال ابن عطية وهذا تحكم وحمل الكلام على وجهه غير متعذر . انتهى . وقوله حسن ، إذ التقديم والتأخير مما يختصان بالضرورة .
وفي قوله : والذين آمنوا ، تفخيم لشأنهم حيث صرح بهم ظاهراً بهذا الوصف الشريف الذي هو الإيمان ، ولم يأت ، حتى يقول الرسول وهم ، وهذا يدل على حذف ذلك الموصوف الذي قدرناه قبل مثل محنة المؤمنين الذين خلوا .
قال ابن عطية : وأكثر المتأولين على أن الكلام إلى آخر الآية من قول الرسول ، والمؤمنين ، ويكون ذلك من قول الرسول على طلب استعجال النصر ، لا على شك ولا ارتياب ، والرسول اسم الجنس ، وذكره الله تعظيماً للنازلة التي دعت الرسول إلى هذا القول . انتهى كلامه .
واللائق بأحوال الرسل هو القول الذي ذكرنا أنه يقتضيه النظر ، والرسول كما ذكر ابن عطية اسم الجنس لا واحد بعينه ، وقيل : هو اليسع ، وقيل : هو شعيب ، وعلى هذا يكون الذين خلوا قوماً بأعيانهم ، وهم أتباع هؤلاء الرسل .
وحكى بعض المفسرين أن الرسول هنا هو محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، وأنزلة ، هنا مضافة لأمته ، ولا يدل على ما ذكر سياق الكلام ، وعلى هذا القول قال بعضهم ، وفي هذا الكلام إجمال ، وتفصيله أن أتباع محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ) قالوا : متى نصر الله ؟ فقال الرسول : ألا إن نصر الله قريب .
فتلخص من هذه النقول أن مجموع الجملتين من كلام الرسول والمؤمنين على سبيل التفصيل ، أو على سبيل أن الرسول والمؤمنين قال كل منهما الجملتين ، فكأنهم قالوا : قد صبرنا ثقة بوعدك ، أو : على أن