كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 2)

" صفحة رقم 150 "
الجملة الأولى من كلام الرسول والمؤمنين ، والثانية من كلام الله تعالى .
ولما كان السؤال بمتى يشير إلى استعلام القرب ، تضمن الجواب القرب ، وظاهر هذا الإخبار أن قرب النصر هو : ينصرون في الدنيا على أعدائهم ويظفرون بهم ، كقوله تعالى : ) جَاءهُمْ نَصْرُنَا ( و ) إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ).
وقال ابن عباس : النصر في الآخرة لأن المؤمن لا ينفك عن الابتلاء ، ومتى انقضى حرب جاءه آخر ، فلا يزال في جهاد العدو ، والأمر بالمعروف ، وجهاد النفس إلى الموت .
وفي وصف أحوال هؤلاء الذين خلوا ما يدل على أنا يجري لنا ما جرى لهم ، فنتأسى بهم ، وننتظر الفرج من الله والنصر ، فإنهم أجيبوا لذلك قريباً .
البقرة : ( 215 ) يسألونك ماذا ينفقون . . . . .
( يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ( نزلت في عمرو بن الجموح ، كان شيخاً كبيراً ذا مال كثير ، سأل بماذا أتصدق ؟ وعلى من أنفق ؟ قاله أبو صالح عن ابن عباس . وفي رواية عطاء نزلت في رجل قال ؛ إن لي ديناراً . قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) : ( أنفقه على نفسك ، فقال إن لي دينارين : فقال : ( أنفقهما على أهلك ) فقال : إن لي ثلاثة . فقال : ( أنفقهما على خادمك ) فقال : إن لي أربعة . فقال : ( أنفقهما على والديك ) . فقال إن لي خمسة . فقال : ( انفقهما على قرابتك ) . فقال : إن لي ستة . فقال : ( انفقهما في سبيل الله ، وهو أحسنها ) .
وينبغي أن يفهم من هذا الترقي على معنى أن ما أخبر به فاضل عما قبله ، وقال الحسن : هي في التطوع ، وقال السدي : هي منسوخة بفرض الزكاة .
قال ابن عطية : وَهَمَ المهدوي على السدي في هذا ، فنسب إليه أنه قال : إن الآية في الزكاة المفروضة . ثم نسخ منها الوالدان انتهى ؛ وقد قال : قدم بهذا القول ، وهي أنها في الزكاة المفروضة ، وعلى هذا نسخ منها الوالدن ومن جرى مجراهما من الأقربين ، وقال ابن جريج : هي ندب ، والزكاة غير هذا الإنفاق ، فعلى هذا لا نسخ فيها .
ومناسبة هذه الآية لما قبلها أن الصبر على النفقة وبذل المال هو من أعظم ما تحلى به المؤمن ، وهو من أقوى الأسباب الموصلة إلى الجنة ، حتى لقد ورد : الصدقة تطفىء غضب الرب .
والضمير المرفوع في : يسألونك ، للمؤمنين ، والكاف لخطاب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، و : ماذا ، يحتمل هنا النصب والرفع ، فالنصب على أن : ماذا ، كلها استفهام ، كأنه قال : أي شيء ينفقون ؟ فماذا منصوب بينفقون ، والرفع على أن : ما . وحدها هي الاستفهام ، وذا موصولة بمعنى الذي ، وينفقون صلة لذا ، والعائد محذوف ، التقدير : ما الذي ينفقون به ؟ فتكون : ما ، مرفوعة بالابتداء ، وذا بمعنى الذي خبره ، وعلى كلا الإعرابين فيسألونك معلق ، فهو عامل في المعنى دون اللفظ ، وهو في موضع المفعول الثاني ليسألونك ، ونظيره ما تقدم من قوله : ) سَلْ بَنِى إِسْراءيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مّنْ آيَةٍ بَيْنَهُ ( على ما شرحناه هناك .
و : ماذا ، سؤال عن المنفق ، لا عن المصرف وكأن في الكلام حذفاً تقديره : ولمن يعطونه ؟ ونظير الآية في السؤال والتعليق . قول الشاعر :
ألا تسألان المرء ماذا يحاول
إلاَّ أن : ماذا ، هنا مبتدأ ، وخبر ، ولا يجوز أن يكون مفعولاً بيحاول ، لأن بعده :
أنحبُ فيُقضى ، أم ضلال وباطل
ويضعف أن يكون : ماذا كله مبتدأ ، و : يحاول ، الخبر لضعف حذف العائد المنصوب من خبر المبتدأ دون الصلة ، فإن حذفه منها فصيح ، وذكر ابن عطية : أن : ماذا ، إذا كانت اسماً مركباً فهي في موضع نصب ، إلاَّ ما جاء من قول الشاعر : وماذا عسى الواشون أن يتحدَّثوا
سوى أن يقولوا : إنني لك عاشق

الصفحة 150