كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 2)

" صفحة رقم 170 "
يبين لكم . الآيات ، لا : ب يتفكرون ، ويتعلق بلفظ : يبين ، أي : يبين الله في الدنيا والآخرة . وروي هذا عن الحسن .
ولا بد من تأويل على هذا إن كان التبيين للآيات يقع في الدنيا ، فيكون التقدير في أمر الدنيا والآخرة ، وإن كان يقع فيهما ، فلا يحتاج إلى تأويل ، لأن الآيات ، وهي : العلامات يظهرها الله تعالى في الدنيا والآخرة .
وجعل بعضهم هذا القول من باب التقديم والتأخير ، إذ تقديره عنده كذلك : ويمكن الحمل على ظاهر الكلام لتعلق : في الدنيا والآخرة ، بتتفكرون ، ففرض التقديم والتأخير ، على ما قاله الحسن ، يكون عدولاً عن الظاهر لا الدليل ، وإنه لا يجوز ، وليس هذا من باب التقديم والتأخير ، لأن : لعل ، هنا جارية مجرى التعليل ، فهي كالمتعلقة : بيبين ، وإذا كانت كذلك فهي والظرف من مطلوب : يبين ، وتقدّم أحد المطلوبين ، وتأخر الآخر ، لا يكون ذلك من باب التقديم والتأخير .
ويحتمل أن تكون : لعلكم تتفكرون ، جملة اعتراضية ، فلا يكون ذلك من باب التقديم والتأخير ، لأن شرط جملة الإعتراض أن تكون فاصلة بين متقاضيين .
قال ابن عطية ، وقال مكي : معنى الآية أنه يبين للمؤمنين آيات في الدنيا والآخرة ، يدل عليهما وعلى منزلتهما ، لعلكم تتفكرون في تلك الآيات . قال ابن عطية : فقوله : في الدنيا ، متعلق على هذا التأويل : بالآيات ، انتهى كلامه . وشرح مكي الآية بأن جعل الآيات منكرة ، حتى يجعل الظرفين صفة للآيات ، والمعنى عنده : آيات كائنة في الدنيا والآخرة ، وهو شرح معنى لا شرح إعراب ، وما ذكره ابن عطية من أنه متعلق على هذا التأويل بالآيات ؛ إن عنى ظاهر ما يريده النحاة بالتعلق فهو فاسد ، لأن الآيات لا يتعلق بها جار ومجرور ، ولا تعمل في شيء البتة ، وإن عنى أنه يكون الظرف من تمام الآيات ، وذلك لا يتأتى إلاَّ باعتقاد أن تكون في موضع الحال ، أي : كائنة في الدنيا والآخرة ، ولذلك فسره مكي بما يقتضي أن تكون صفة ، إذ قدّر الآيات منكرة ، والحال والصفة سواء في أن العامل فيهما محذوف إذا كانا ظرفين أو مجرورين ، فعلى هذا تكون : في الدنيا ، متعلقاً بمحذوف لا بالآيات ، وعلى رأي الكوفيين ، تكون الآيات موصولاً وصل بالظرف ؛ ولتقرير مذهبهم ورده موضع غير هذا .
( فِى الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ ( : سبب نزولها أنهم كانوا في الجاهلية يتحرجون من مخالطة اليتامى في مأكل ومشرب وغيرهما ، ويتجنبون أموالهم ، قاله الضحاك ، والسدي . وقيل : لما نزلت ) وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ ( ) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتَامَى ( تجنبوا اليتامى وأموالهم ، وعزلوهم عن أنفسهم فنزلت ، قاله ابن عباس ، وابن المسيب .
ومناسبة هذه الآية لما قبلها ، أنه لما ذكر السؤال عن الخمر والميسر ، وكان تركهما مدعاة إلى تنمية المال ، وذكر السؤال عن النفقة ، وأجيبوا بأنهم ينفقون ما سهل عليهم ، ناسب ذلك النظر في حال اليتيم ، وحفظ ماله ، وتنميته ، وإصلاح اليتيم بالنظر في تربيته ، فالجامع بين الآيتين أن في ترك الخمر والميسر إصلاح أحوالهم أنفسهم ، وفي النظر في حال اليتامى إصلاحاً لغيرهم ممن هو عاجز أن يصلح نفسه ، فيكون قد جمعوا بين النفع لأنفسهم ولغيرهم .
والظاهر أن السائل جمع الإثنين بواو الجمع وهي للجمع به وقيل به .
وقال مقاتل : السائل ثابت بن رفاعة الأنصاري ، وقيل : عبد الله بن رواحة ، وقيل : السائل من كان بحضرة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) من المؤمنين ، فإن العرب كانت تتشاءم بخلط أموال اليتامى بأموالهم ، فأعلم تعالى المؤمنين أنما كانت مخالطتهم مشؤومة لتصرفهم في أموالهم تصرفاً غير سديد ، كانوا يضعون الهزيلة مكان السمينة ، ويعوضون التافه عن النفيس ، فقال تعالى : ) قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ( الإصلاح لليتيم يتناول إصلاحه بالتعليم والتأديب ، وإصلاح ما له بالتنمية والحفظ .
وإصلاح : مبتدأ وهو نكرة ، ومسوغ

الصفحة 170