" صفحة رقم 183 "
بحسن العاقبة في الآخرة ، وفيه تنبيه على وصف الذي به يتقى الله ويقدّم الخير ، ويستحق التبشير ، وهو الإيمان . وفي أمره لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) بالتبشير تأنيس عظيم ووعد كريم بالثواب الجزيل ، ولم يأت بضمير الغيبة ، بل أتى بالظاهر الدال على الوصف ، ولكونه مع ذلك فصل آية .
وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة إخبار الله تعالى عن المؤمنين أنهم يسألون رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) عن الخمر والميسر ، فوقع ما أخبر به تعالى ، وأمر نبيه أن يخبر من سأله عنهما بأنهما قد اشتملا على إثم كبير ، فكان هذا الإخبار مدعاة لتركهما ، ودل ذلك على تحريمهما ، والمعنى أنه يحصل بشرب الخمر واللعب بالميسر إثم ، وما اكتفى بمطلق الإثم حتى وصفه بالكبر في قراءة ، وبالكثرة في قراءة ، وقد قال تعالى في المحرمات : ) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ ( ) إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا إِلَى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً ( فحيث وصف الإثم بالكبير ، وكان من أعظم الآثام وأوغلها في التحريم ، وأخبر أيضاً أن فيهما منافع للناس ، من : أخذ الأموال بالتجارة في الخمر ، وبالقمر في الميسر ، وغير ذلك ، لأنه ما من شيء حرم إلاَّ فيه منفعة بوجه ما ، خصوصاً ما كان الطبع مائلاً إليه ، أو كان الشخص ناشئاً عليه بالطبع . ثم أخبر تعالى أن ضرر الإثم الذي هو جالب إلى النار ، أعظم من النفع المنقضي بانقضاء وقته ، ليرشد العاقل إلى تجنب ما عذابه دائم ونفعه زائل .
ثم أخبر تعالى أنهم يسألونه عن الشيء الذي ينفقونه ؟ فأجيبوا بأن ينفقوا ما سهل عليهم إنفاقه ، ويشير ) مَّا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدّينِ مِنْ حَرَجٍ ( ثم ذكر تعالى أنه يبين للمؤمنين الآيات بياناً مثل ما بين في أمر الخمر ، والميسر ، وما ينفقون . ثم ذكر أنه بهذا البيان يحصل الرجاء في تفكر حال الدنيا والآخرة ، فإذا فكر فيهما يرجح بالفكر إيثار الآخرة على الدنيا .
ثم استطرد من هذين السؤالين إلى السؤال عن أمر اليتامى ، وما كلفوا في شأنهم ، إذ كان اليتامى لا ينهضون بالنظر في أحوال أنفسهم ، ولصغرهم ونقص عقولهم ، فأجيبوا بأن إصلاحهم خير من إهمالهم للمصلح بتحصيل الثواب وللمصلح بتأديبه وتعليمه وتنمية ماله : ( أمتي كالبنيان يشدّ بعضه بعضاً ) .
ثم أخبر أن مخالطتهم مطلوبة لأنهم إخوانكم في الإسلام ، فالإخوة موجبة للنظر في حال الأخ . وأبرز الطلب في صورة شرطية ، وأتى الجواب بما يقتضى الخلطة ، وهو كونهم إخوانكم .
ولما أمر بالإصلاح لليتامى ، ذكر أنه تعالى يعلم المفسد من المصلح ، ليحذر من الفساد ويدعو إلى الصلاح ، ومعنى علمه هنا أنه مجاز من أفسد ، و : من أصلح ، بما يناسب فعله ، ثم أخبر تعالى أنه لو شاء لكلفكم ما يشق عليكم ، فدل على أن التكاليف السابقة من تحريم الخمر والميسر ، وتكليف الصدقة ، بأن تكون عفواً ، وتكليف إصلاح اليتيم ليس فيه مشقة ولا إعنات .
ثم ختم هذا بأنه هو العزيز الذي لا يغالب ، الحكيم الذي يضع الأشياء مواضعها .
ولما ذكر تعالى تحريم شيء مما كانوا يتلذذون به ، وهو شرب الخمر والأكل به ، والقمر بالميسر والأكل به ، ولما كان النكاح أيضاً من أعظم الشهوات والملاذ ، استطرد إلى ذكر تحريم نوع منه ، وهو نكاح من قام به الوصف المنافي للإيمان ، وهو الإشراك الموجب للتنافر والتباعد . والنكاح موجب للخلطة والمودّة قال تعالى : ) وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ( ) لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ( لا يتراءى داراهما فنهى فيهن عن نكاح من قام به الوصف المنافي للإيمان ، وغيَّا ذلك بحصول الإيمان ، ثم ذكر من كان رقيقاً وهو مؤمن ، خير من مشرك ولو كان يعجب في حسن أو مال أو رئاسة ؛ ونبه على العلة الموجبة للترك ، وهو أن من أشرك داع إلى النار ، وجرّ ممن كان معاشر شخص ومخالطه وملابسه ، حتى في النكاح الذي هو داع إلى التآلف من كل معاشرة أن يجيبه إذا دعاه لما هو من هواه ، وهم كانوا قريبين عهد بالإيمان وحديثه ، فمنعوا من ذلك سداً للتطرق إلى النار .
ثم أخبر تعالى أنه هو يدعو إلى الجنة والمغفرة ، فهو الناظر بالمصلحة لكم في تحريم ما حرّم وإباحة ما أباح ، وهو يبين آياته ويوضحها بحيث لا يظهر معها لبس ، وذلك لرجاء تذكركم واتعاظكم بالآيات .
ولما ذكر تعالى تحريم نكاح من قام به وصف الإشراك ، ذكر تحريم وطء من قام به في الحيض من المؤمنات ، وغيَّا ذلك بالطهر ما قبله بالإيمان ، ثم أباح إذا تطهرن لنا الوطء لهنّ من حيث أمر الله وهو المكان الذي كان مشغولاً بالحيض ، وأمرنا باجتناب وطئه في وقت الحيض ، ثم نبه على مزية التائب والمتطهر بكونه تعالى يحبه ، ولم يكتف بذلك في جملة واحدة حتى كرر ذلك في جملتين وأفرد كل وصف بمحبة فقال : إن الله يحب التوّابين ويحب المتطهرين .