كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 2)

" صفحة رقم 210 "
2 ( ) فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( ) ) 2
)
البقرة : ( 230 ) فإن طلقها فلا . . . . .
فَإِن طَلَّقَهَا ( يعني الزوج الذي طلق مرة بعد مرة ، وهو راجع إلى قوله : ) أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ( كأنه قال : فإن سرحها التسريحة الثالثة الباقية من عدد الطلاق . قاله ابن عباس : وقتادة ، والضحاك ، ومجاهد ، والسدي . ومن قول ابن عباس أن الخلع فسخ عصمة وليس بطلاق ، ويحتج بهذه الآية بذكر الله للطلاقين ، ثم ذكر الخلع ، ثم ذكر الثالثة بعد الطلاقين ، ولم يك للخلع حكم يعتدّ به .
وأما من يراه طلاقاً فقال : هذا اعتراض بين الطلقتين والثالثة ذكر فيه أنه لا يحل أخذ شيء من مال الزوجة إلاَّ بالشريطة التي ذكرت ، وهو حكم صالح أن يوجد في كل طلقة طلقة وقوع آية الخلع بين هاتين الآيتين حكمية ، أن الرجعة والخلع لا يصلحان إلاَّ قبل الثالثة ، فأما بعدها فلا يبق شيء من ذلك ، وهي كالخاتمة لجميع الأحكام المعتبرة في هذا الباب .
( فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ ( أي : من بعد هذا الطلاق الثالث ) حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ( والنكاح يطلق على العقد وعلى الوطء ، فحمله ابن المسيب ، وابن جبير ، وذكره النحاس في معاني القرآن له على العقد ، وقال : إذا عقد عليها الثاني حلت للأول ، وإن لم يدخل بها ولم يصبها ، وخالفه الجمهور لحديث امرأة رفاعة المشهور ، فقال الحسن : لا يحل إلاَّ الوطء والإنزال ، وهو ذوق العسيلة . وقال باقي العلماء : تغييب الحشفة يحل ، وقال بعض الفقهاء : التقاء الختانين يحل ، وهو راجع للقول قبله ، إذ لا يلتقيان إلاّ مع المغيب الذي عليه الجمهور ، وفي قوله : ) حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ( دلالة على أن نكاح المحلل جائز ، إذ لم يعني الحل إلاّ بنكاح زوج ، وهذا يصدق عليه أنه نكاح زوج فهو جائز . وإلى هذا ذهب ابن أبي ليلى ، وأبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد ، وداود ، وهو قول الأوزاعي في رواية ، والثوري في رواية . وقول الشافعي في كتابه الجديد المصري إذا لم يشترط التحليل في حين العقد ، وقال القاسم ، وسالم ، وربيعة ، ويحيى بن سعد : لا بأس أن يتزوجها ليحللها إذا لم يعلم الزوجان ، وهو مأجور ، وقال مالك : والثوري ، والأوزاعي ، والشافعي في القديم ، وأبو حنيفة في رواية : لا يجوز ، ولا تحل للأول ، ولا يقر عليه وسواء علماً أم لم يعلما . وعن الثوري أنه لو شرط بطل الشرط ، وجاز النكاح ، وهو قول ابن أبي ليلى في ذلك وفي نكاح المتعة . وقال الحسن ، وابراهيم : إذا علم أحد الثلاثة بالتحليل فسد النكاح .
وفي قوله : زوجاً غيره ، دلالة على أن الناكح يكون زوجاً ، فلو كانت أمة وطلقت ثلاثاً ، أو اثنتين على مذهب من يرى ذلك ، ثم وطئها سيدها لم تحل للأول ، قاله علي ، وعبيدة ، ومسروق ، والشعبي ، وجابر ، وابراهيم ، وسليمان بن يسار ، وحماد ، وأبو زياد ، وجماعة فقهاء الأمصار . وروي عن عثمان ، وزيد بن ثابت ، والزبير أنه يحلها إذا غشيها غشياناً لا يريد بذلك مخادعة ولا إحلالاً ، وترجع إلى زوجها بخطبة وصداق .
وفي قوله : زوجاً ، دلالة أيضاً على أنه لو كان الزوج عبداً وهي أمة ووهبها السيد له بعد بت طلاقها ، أو اشتراها الزوج بعدما بت طلاقها لم تحل له في الصورتين بملك اليمين حتى تنكح زوجاً غيره .
قال أبو عمر : على هذا جماعة العلماء وأئمة الفتوى : مالك ، والثوري ، والأوزاعي ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وقال ابن عباس ، وعطاء ، وطاووس ، والحسن : تحل بملك اليمين .
وفي قوله : زوجاً غيره ، دلالة على أنه إذا تزوج الذمية المبتوتة من المسلم بالثلاث ذمي ، ودخل بها ، وطلقت حلت للأول . وبه قال الحسن ، والزهري ، والثوري

الصفحة 210