كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 2)

" صفحة رقم 238 "
إلاَّ مواعدة معروفة غير منكرة ، أو : لا تواعدوهنّ إلاَّ بأن تقولوا ، أي : لا تواعدوهنّ إلاَّ بالتعريض ، ولا يجوز أن يكون استثناءً من سراً ، لادائه إلى قولك : لا تواعدوهن إلاَّ التعريض إنتهى كلام الزمخشري . ويحتاج إلى توضيح ، وذلك أنه جعله استثناءً متصلاً باعتبار أنه استثناء مفرغ ، وجعل ذلك على وجهين .
أحدهما : أن يكون استثناء من المصدر المحذوف ، وهو الوجه الأول الذي ذكره ، وقدّره : لا تواعدوهنّ مواعدة قط إلاَّ مواعدة معروفة غير منكرة ، فكأن المعنى : لا تقولوا لهن قولاً تعدونهن به إلاَّ قولاً معروفاً ، فصار هذا نظير : لا تضرب زيداً ضرباً شديداً .
والثاني : أن يكون استثناء مفرغاً من مجرور محذوف ، وهو الوجه الثاني الذي ذكره ، وقدره : إلاَّ بأن تقولوا ، ثم أوضحه بقوله : إلاَّ بالتعريض ، فكان المعنى : لا تواعدوهنّ سراً ، أي نكاحاً بقول من الأقوال ، إلاَّ بقول معروف ، وهو التعريض . فحذف : من أن ، حرف الجر ، فيبقى منصوباً أو مجروراً على الخلاف الذي تقدم في نظائره .
والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أن الذي قبله انتصب نصب المصدر ، وهذا انتصب على إسقاط حرف الجر ، وهو : الباء ، التي للسبب .
قوله ولا يجوز أن يكون استثناء منقطعاً من سراً لأدائه إلى قوله : لا تواعدوهنّ إلاَّ التعريض ، والتعريض ليس مواعد ، فلا يصح عنده أن ينصب عليها العامل ، وهذا عنده على أن يكون منقطعاً نظير : ما رأيت أحداً إلاَّ حماراً . لكن هذا يصح فيه : ما رأيت إلاَّ حماراً ، وذلك لا يصح فيه ، لا تواعدوهنّ إلاَّ التعريض ، لأن التعريض لا يكون مواعداً بل مواعداً به النكاح ، فانتصاب : سراً ، على أنه مفعول ، فكذلك ينبغي أن يكون : أن تقولوا ، مفعولاً ، ولا يصح ذلك فيه ، فلا يصح أن يكون استثناء منقطعاً . هذا توجيه منع الزمخشري أن يكون استثناء منقطعاً .
وما ذهب إليه ليس بصحيح لأنه لا ينحصر الاستثناء المنقطع فيما ذكر ، وهو أن يمكن تلك العامل السابق عليه ، وذلك أن الاستثناء المنقطع على قسمين .
أحدهما : ما ذكره الزمخشري ، وهو : أن يتسلط العامل على ما بعد ؛ إلاَّ ، كما مثلنا به في قولك : ما رأيت أحداً إلاَّ حماراً . و : ما في الدار أحد إلاَّ حماراً .
وهذا النوع فيه خلاف عن العرب ، فمذهب الحجازيين نصب هذا النوع من المستثنى ، ومذهب بني تميم اتباعه لما قبله في الإعراب ، ويصلح في هذا النوع أن تحذف الأول وتسلط ما قبله على ما بعد إلاَّ ، فتقول : ما رأيت إلاَّ حماراً ، وما في الدار إلاَّ حمار . ويصح في الكلام : ما لهم به إلاَّ اتباع الظن .
والقسم الثاني : من قسمي الاستثناء المنقطع هو أن لا يمكن تسلط العامل على ما بعد إلاَّ ، وهذا حكمه النصب عند العرب قاطبة ، ومن ذلك : ما زاد إلاَّ ما نقص ، وما نفع إلاَّ ما ضر . فما بعد إلاَّ لا يمكن أن يتسلط عليه زاد ولا نقص ، بل يقدّر المعنى : ما زاد ، لكن النقص حصل له ، وما نفع لكن الضرر حصل ، فاشترك هذا القسم مع الأوّل في تقدير إلاَّ بلكن ، لكن الأوّل يمكن تسليط ما قبله عليه ، وهذا لا يمكن .
وإذا تقرر هذا فيكون قوله : ) إِلاَّ أَن تَقُولُواْ ( استثناء منقطعاً من هذا القسم الثاني ، وهو ما لا يمكن أن يتوجه عليه العامل ، والتقدير : لكنّ التعريض سائغ لكم ، وكأن الزمخشري ما علم أن الاستثناء المنقطع يأتي على هذا النوع من عدم توجيه العامل على ما بعد إلاَّ ، فلذلك منعه ، والله أعلم .
وظاهر النهي في قوله ) لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّا ( التحريم حتى قال مالك في رواية ابن وهب عنه ، فيمن واعد في العدّة ثم تزّوجها بعد العدّة ، قال : فراقها أحب إليّ دخل بها أو لم يدخل ، وتكون تطليقة واحدة ، فإذا حلت خطبها مع الخطاب وروي أشهب عن مالك وجوب التفرقة بينهما . وقال ابن القاسم : وحكى مثل هذا ابن حارث عن ابن الماجشون ، وزاد ما تقتضي تأبيد التحريم . وقال الشافعي : لو صرح بالخطبة وصرحت بالإجابة ولم يعقد عليها إلاَّ بعد انقضاء العدّة صح النكاح ، والتصريح بهما مكروه . وقال ابن عطية : أجمعت الأمّة على كراهة المواعدة في العدة للمرأة .
( وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ( نهوا عن العزم على عقدة النكاح ، وإذا كان العزم منهياً عنه فأحرى أن ينهي عن العقدة .
وانتصاب : عقدة ، على المفعول به لتضمين : تعزموا ، معنى ما يتعدّى بنفسه ، فضمن معنى : تنووا ، أو معنى : تصمموا ، أو معنى : توجبوا ، أو معنى : تباشروا ، أو معنى : تقطعوا ، أي : تبتوا .

الصفحة 238