" صفحة رقم 240 "
عنهم بعض روع التهديد والوعيد ، والتحذير من عقابه ، ليعتدل قلب المؤمن في الرجاء والخوف ، وختم بهاتين الصفتين المقتضيتين المبالغة في الغفران والحلم ، ليقوي رجاء المؤمن في إحسان الله تعالى ، وطمعه في غفرانه وحلمه إن زل وهفاً ، وأبرز كل معنى من التحذير والإطماع في جملة مستقلة ، وكرر اسم الله تعالى للتفخيم ، والتعظيم بمن يسند إليه الحكم ، وجاء خبر أن الأولى بالمضارع ، لأن ما يهجس في النفوس يتكرر فيتعلق العلم به ، فكأن العلم يتكرر بتكرر متعلقه ، وجاء خبر أن الثانية بالاسم ليدل على ثبوت الوصف ، وأنه قد صار كأنه من صفات الذات ، وإن كان من صفات الفعل .
قيل : وتضمنت هذه الآيات ضروباً من البديع .
منها : معدول الخطاب ، وهو أن الخطاب بقوله : ) وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ ( الآية عام والمعنى على الخصوص . ومنها : النسخ ، إذ هي ناسخة للحول على قول الأكثرين . ومنها : الاختصاص ، وهو أن يخص عدداً فلا يكون ذلك إلاَّ لمعنى ، وذلك في قوله : ) أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ( ومنها : الكناية ، في قوله : ) وَلَاكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّا ( كنى بالسر عن النكاح ، وهي من أبلغ الكنايات . ومنها : التعريض ، في قوله : ) يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ ( ومنها : التهديد ، بقوله ) فَاحْذَرُوهُ ( ومنها : الزيادة في الوصف ، بقوله : ) غَفُورٌ حَلِيمٌ ).
البقرة : ( 236 ) لا جناح عليكم . . . . .
( لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ( نزلت في أنصارى تزوّج حنيفية ولم يسم مهراً ، ثم طلقها قبل أن يمسها ، فقال ( صلى الله عليه وسلم ) ) : ( متعها ولو بقلنسوتك ) : فذلك قوله : ) لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ( الآية .
ومناسبتها لما قبلها أنه : لما بين تعالى حكم المطلقات المدخول بهنّ ، والمتوفى عنهنّ أزواجهنّ ، بين حكم المطلقة غير المدخول بها ، وغير المسمى لها مدخولاً بها ، أو غير ذلك .
والمطلقات أربع : مدخول بها مفروض لها ، ونقيضتها ، ومفروض لها غير مدخول بها ، ونقيضتها .
والخطاب في قوله : ) لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ( للأزواج ، ومعنى نفي الجناح هنا هو أنه : لما نهى عن التزوّج بمعنى الذوق وقضاء الشهوة ، وأمر بالتزوّج طلباً للعصمة والثواب ، ودوام الصحبة ، وقع في بعض نفوس المؤمنين أن من طلق قبل البناء يكون قد أوقع جزءا من هذا المكروه ، فرفع الله الجناح في ذلك ، إذا كان أصل النكاح على المقصد الحسن .
( مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ( قرأ حمزة والكسائي : تماسوهنّ ، مضارع ما من ، فاعل . وقرأ باقي السبعة مضارع مسست ، وفاعل . يقتضى اشتراك الزوجين في المسيس ، ورجح أبو علي قراءة : تمسوهنّ ، بأن أفعال هذا الباب جاءت ثلاثية ، نحو : نكح ، وسفد ، وفزع ، ودقط ، وضرب الفحل ، والقرابان حسنتان ، والمس هنا والمماسة : الجماع ، كقوله : ) وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ ( و : ما ، في قوله : ) مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ( الظاهر أنها ظرفية مصدرية ، التقدير : زمان عدم المسيس كقوله الشاعر : إني بحبلك واصل حبلي
وبريش نبلك رائش نبلي
ما لم أجدك على هدى أثر
يقرو مقصك قائف قبلي
وهذه ما ، الظرفية المصدرية ، شبيهة بالشرط ، وتقتضي التعميم نحو : أصحبك ما دمت لي محسناً ، فالمعنى : كل وقت دوام إحسان . وقال بعضهم : ما ، شرطية ، ثم قدرها بأن ، وأراد بذلك ، والله أعلم ، تفسير المعنى ، و : ما إذا كانت شرطاً تكون إسما