كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 2)

" صفحة رقم 252 "
حبان البستي : وأول من أبطل صلاة المأموم قاعداً إذا صلى إمامه جالساً المغيرة بن مقسم صاحب النخعي ، وأخذ عنه حماد بن أبي سليمان ، ثم أخذ عن حماد أبو حنيفة ، وتبعه عليه من بعده من أصحابه .
البقرة : ( 239 ) فإن خفتم فرجالا . . . . .
( فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا ( لما ذكر المحافظة على الصلوات ، وأمر بالقيام فيها قاتنين ، كان مما يعرض للمصلين حالة يخافون فيها ، فرخص لهم في الصلاة ماشين على الأقدام ، وراكبين .
والخوف يشمل الخوف من : عدّو ، وسبع ، وسيل وغير ذلك ، فكل أمر يخاف منه فهو مبيح ما تضمنته الآية هذه .
وقال مالك : يستحب في غير خوف العدو الإعادة في الوقت إن وقع الأمن ، وأكثر الفقهاء على تساوي الخوف .
و : رجالاً ، منصوب على الحال ، والعامل محذوف ، قالوا تقديره : فصلوا رجالاً ، ويحسن أن يقدر من لفظ الأول ، أي : فحافظوا عليها رجالاً ، ورجالاً جمع راجل ، كقائم وقيام ، قال تعالى : ) وَأَذّن فِى النَّاسِ بِالْحَجّ يَأْتُوكَ رِجَالاً ( وقال الشاعر : وبنو غدانة شاخص أبصارهم
يمشون تحت بطونهنّ رجالاً
والمعنى : ماشين على الأقدام ، يقال منه : رجل يرجل رجلاً ، إذا عدم المركوب ، ومشى على قدميه ، فهو راجل ورجل ورجل ، على وزن رجل مقابل امرأة . وهي لغة أهل الحجاز ، يقولون : مشى فلان إلى بيت الله حافياً رجلاً ، ويقال رجلان ورجيل ورجل ، قال الشاعر : عليّ إذا لاقيتُ ليلى بخلوة
أن ازدار بيت الله رجلان حافياً
قالوا : ويجمع على : رجال ورجيل ورُجالى ورجالى ورجالة ورجلان ورَجلة ورجلة بفتح الجيم وأرجلة وأراجل وأراجيل ؛ قرأ عكرمة ، وأبو مجلز : فرُجَّالاً ، بضم الراء وتشديد الجيم ، وروي عن عكرمة التخفيف مع ضم الراء ، وقرىء : فرجلاً ، بضم الراء وفتح الجيم مشدودة بغير ألف ؛ وقرىء : فرجلا ، بفتح الراء وسكون الجيم .
وقرأ بديل بن ميسرة : فرجالاً فركباناً بالفاء ، وهو جمع راكب . قال الفضل : لا يقال راكب إلاَّ لصاحب الجمل ، وأما صاحب الفرس فيقال له فارس ، ولراكب الحمار حمَّار ، ولراكب البغل بغَّال ، وقيل : الأفصح أن يقال : صاحب بغل ، وصاحب حمار .
وظاهر قوله : ) فَإِنْ خِفْتُمْ ( حصول مطلق الخوف ، وأنه بمطلق الخوف تباح الصلاة في هاتين الحالتين .
وقالوا : هي صلاة الغداة للذي قد ضايقه الخوف على نفسه في حالة المسايفة أو ما يشبهه ، وأما صلاة الخوف بالإمام ، وانقسام الناس فليس حكمها في هذه الآية .
وقيل : فرجالاً ، مشاة بالجماعة لأنهم يمشون إلى العدّو في صلاة الخوف ، أو ركباناً أي : وجداناً بالإيماء .
وظاهر قوله : فرجالاً ، أنهم يوقعون الصلاة وهم ماشون ، فيصلون على كل حال ، والركب يوميء ويسقط عنه التوجه إى القبلة ، وهو قول الشافعي ؛ وقال أبو حنيفة : لا يصلون في حال المشي والمسايفة ما لم يمكن الوقوف .
ولم تتعرض الآية لعدد الركعات في هذا الخوف ، والجمهور أنها لا تقصر الصلاة عن عدد صلاة المسافر إن كانوا في سفر تقصر فيه ، وقال الحسن ، وقتادة ، وغيرهما : تصلى ركعة إيماء . وقال الضحاك بن مزاحم : تصلي في المسايفة وغيرها ركعة ، فإن لم يقدر فليكبر تكبيرتين . وقال إسحاق : فإن لم يقدر إلاَّ على تكبيرة واحدة أجزأت عنه ، ولو رأوا سواداً فظنوه عدوّاً ثم تبين أنه ليس بعدو ، فقال أبو حنيف : يعيدون .
وظاهر الآية : أنه متى عرض له الخوف فله أن يصلي على هاتي الحالتين ، فلو صلى بركعة آمناً ثم طرأ له الخوف ركب وبنى ، أو عكسه : أتم وبنى ، عند مالك ، وهو أحد قولي الشافعي ، وبه قال المزني .
وقال أبو حنيفة : إذا استفتح آمناً ثم خاف ، استقبل ولم يبن فإن صلى خائفاً ثم أَمن بنى ؛ وقال أبو يوسف : لا يبنى في شيء من هذا كله .
وتدل هذه الآية على

الصفحة 252