" صفحة رقم 260 "
المفعول له موجودة فيه من كونه مصدراً متحد الفاعل والزمان .
( فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ( ظاهره أن ثَمّ قولاً لله ، فقيل : قال لهم ذلك على لسان الرسول الذي أذن له في أن يقول لهم ذلك عن الله ، وقيل : على لسان الملك . وحكي : أن ملكين صاحا بهم : موتوا ، فماتوا . وقيل : سمعت الملائكة ذلك فتوفتهم ، وقيل : لا قول هناك ، وهو كناية عن قابليتهم الموت في ساعة واحدةٍ وموتهم كموتة رجل واحد ، والمعنى : فأماتهم ، لكن أخرج ذلك مخرج الشخص المأمور بشيء ، المسرع الامتثال من غير توقف ، ولا امتناع ، كقوله تعالى : ) كُنْ فَيَكُونُ ).
وفي الكلام حذف ، التقدير : فماتوا ، وظاهر هذا الموت مفارقة الأرواح الأجساد ، فقيل : ماتوا ثمانية أيام ثم أحياهم بعد ، بدعاء حزقيل ؛ وقيل : سبعة أيام ، وقد تقدّم في بعض القصص أنه عريت عظامهم وتفرقت أوصالهم ، وهذا لا يكون في العادة في ثمانية أيام ، وهذا الموت ليس بموت الآجال ، بل جعله الله في هؤلاء كمرض وحادث مما يحدث على البشر ، كحال ) الَّذِى مَرَجَ عَلَى قَرْيَةٍ ( المذكورة بعد هذا .
( ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ( العطف بثم يدل على تراخي الأحياء عن الإماتة ، قال قتادة : أحياهم ليستوفوا آجالهم .
وظاهره أن الله هو الذي أحياهم بغير واسطة ، وقال مقاتل : كانوا قوم حزقيل ، فخرج فوجدهم موتى ، فأوحى الله إليه : إني جعلت حياتهم إليك ، فقال لهم : احيوا . وقال ابن عباس : النبي شمعون ، وريح الموتى توجد في أولادهم . وقيل : النبي يوشع بن نون ، وقال وهب : اسمه شمويل وهو ذو الكفل ، وقال مجاهد : لما أحيوا رجعوا إلى قومهم يعرقون ، لكن سحنة الموت على وجوههم ولا يلبس أحد منهم ثوباً إلاَّ عاد كفناً دسماً ، حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم ، وقيل : معنى إماتتهم تذليلهم تذليلاً يجري مجرى الموت ، فلم تغن ، عنهم كثرتهم وتظاهرهم من الله شيئاً ، ثم أعانهم وخلصهم ليعرفوا قدرة الله في أنه يذل من يشاء ، ويعز من يشاء ، وقيل : عنى بالموت : الجهل ، وبالحياة : العلم ، كما يحيا الجسد بالروح .
وأتت هذه القصة بين يدي الأمر بالقتال تشجيعاً للمؤمنين ، وحثاً على الجهاد والتعريض للشهادة ، وإعلاماً أن لا مفر مما قضى الله تعالى : ) قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ( واحتجاجاً على اليهود ، والنصارى بإنبائه ( صلى الله عليه وسلم ) ) بما لا يدفعون صحته ، مع كونه أمّياً لم يقرأ كتاباً ، ولم يدارس أحداً ، وعلى مشركي العرب إذ من قرأ الكتب يصدقه في إخباره بما جاء به مما هو في كتبهم .
( إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ( أكد هذه الجملة : بإن ، واللام ، وأتى الخبر : لذو ، الدالة على الشرف ، بخلاف صاحب ، و : الناس ، هنا عام ، لأن كل أحد لله عليه فضل أيّ فضل ، وخصوصاً هنا ، حيث نبههم على ما به يستبصرون ويعتبرون على النشأة الآخرة ، وأنها ممكنة عقلا ، كائنة بإخباره تعالى : إذ أعاد إلى الأجسام البالية المشاهدة بالعين الأرواح المفارقة ، وأبقاها فيها الأزمان الطويلة إلى أن قبضها ثانية ، وأي فضل أجل من هذا الفضل ، إذ تتضمن جميع كليات العقائد المنجية وجزئياتها : ويجوز أن يراد : بالناس ، ههنا الخصوص ، وهم هؤلاء الذين تفضل عليهم بالنعم ، وأمرهم بالجهاد ففروا منه خوفاً من الموت ، فأماتهم ، ثم تفضل عليهم بالإحياء وطوّل لهم في الحياة ليستيقنوا أن لا مفر من القدر ، ويستدركوا ما فاتهم من الطاعات ، وقص الله علينا ذلك تنبيهاً على أن لا نسلك مسلكهم بل نمتثل ما يأمر به تعالى .
( وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ( تقدّم فضل الله على جميع الناس بالإيجاد والرزق ، وغير ذلك ، فكان المناسب لهم أنهم يشكرون الله على ذلك ، وهذا الاستدراك : بلكن ، مما تضمنه قوله : ) إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ( والتقدير : فيجب عليهم أن يشكروا الله على فضله ، فاستدرك بأن أكثرهم لا يشكرون ، ودل على أن الشاكر قليل ، كقوله : ) وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ ( ويخص : الناس ، الثاني بالمكلفين .
البقرة : ( 244 ) وقاتلوا في سبيل . . . . .
( وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ( هذا خطاب لهذه الأمة بالجهاد في سبيل الله ، وتقدّمت تلك القصة ، كما قلنا ، تنبيهاً لهذه الأمة أن لا تفر من الموت كفرار أولئك ، وتشجيعاً لها ، وتثبيتاً . وروي عن ابن عباس ، والضحاك : أنه أمر لمن أحياهم الله بعد موتهم بالجهاد ، أي : وقال لهم قاتلوا في سبيل الله . وقال الطبري : لا وجه لهذا القول . انتهى .
والذي يظهر القول الأول ، وأن هذه الآية ملتحمة بقوله : ) حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَواتِ ( وبقوله