كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 2)

الجائع، ويكسو العاري، ويؤوي الغريب، ويجبر المكسور، ويرحم المصاب، فذلك الذي يضيء نوره في الناس كالشمس، إن دعاني أجبته، كان سألني أعطيته، أكلؤه بقوَّتي وأحفظه بمنتي (¬1)، وأوكل به ملائكتي.

فصل في السجدة
وسجدة "ص" سجدةُ تلاوةٍ، وبه قال الحسن والثوري ومالك وأبو حنيفة.
وقال الشافعي: هي سجدة شكر. وعن أحمد كالمذهبين.
وثمرة الخلاف: لو تلاها في الصلاة وغيرها سجدها عندنا، وعندهم لا يسجد، واحتجوا بما روى النسائي عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد في "صَ" وقال: "سَجَدَها دَاودُ توبة ونَسجُدُها شُكرًا" (¬2).
وروى أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة على المنبر سورة "ص" فنزل وسجد، فسجد الناس معه، فلما كان في الجمعة الثانية قرأها فتشزَّن الناس للسجود، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّما هِيَ تَوبةُ نَبيٍّ ولَكن رأيتكم تشزَّنتم للسجود فسجدت" (¬3). ومعنى تشزَّن أي: تهيَّأ وانتصب.
وأما قوله تعالى: {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا} [ص: 24] أي: ساجدًا.
وأما سجود النبي - صلى الله عليه وسلم - فحجة لنا، وقوله: "ونحن نسجدها شكرًا" لا يدلُّ على أنها لا تجب، لأنها سبب وجوب الإنعام على داود ولنا به أسوة. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "رأيتكم تشزنتم فسجدت" يدل على الوجوب إذ لو لم تكن واجبةً لما سجد.

فصل في طاعون وقع في زمان داود
قرأت على شيخنا الموفق المقدسي رحمه الله قال: حدثنا أحمد بن المبارك بإسناده
¬__________
(¬1) في "ب": بمشيئتي.
(¬2) أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (1029).
(¬3) أبو داود (1410).

الصفحة 175