كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 2)

"الجوعُ فلا، ، ولكِن الموت، فماتَ منهم سبعُونَ ألفًا، فهمسِي الذي ترون أني أقول: اللهَم بِكَ أُقاتِلُ، وبِكَ أُصَاوِلُ، ولا حَولَ ولا قوَّةَ إلا باللهِ" (¬1).

فصل في حوادث قضى بها داود فاستدرك عليه سليمان منها قصة الزرع والغنم
حدثنا أبو عبد الله محمد بن البناء الصوفي البغدادي بإسناده إلى أبي الفضل ابن خيرون وأبي طاهر الباقلاوي قالا بإسنادهما عن ابن عباس في قوله تعالى: {إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ} [الأنبياء: 78] أي: رعت ليلًا بغير راع، قال: تقدَّم رجلان إلى داود أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الحرث: إن هذا سلط غنمه على حرثي فلم تُبْقِ منه شيئًا، فقال داود: اذهب فلك رقابُ الغنم، فقضى داود بذلك، فمرَّ صاحب الغنم على سليمان وهو صغيرٌ ابن إحدى عشرة سنة فقصَّ عليه القصة، فدخل عليه وقال: يا أبت، إنَّ القضاء غير ما قضيت به، قال: وكيف؟ قال: أن تدفع الغنم إلى صاحب الحرث ينتفع بها طول العام فيأخذ أولادها وأصوافها وألبانها، وتدفع الأرض إلى صاحب الغنم فينتفع بها طول العام، فإذا انقضى الحول دفعت - أو رددت- إلى هذا غنمه وإلى هذا أرضه، فقال داود: أصبتَ الحكم والقضاءَ. قال ابن عباس: فذلك قوله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} (¬2).
وقال قتادة: لم يكن بين ثمن الحرث وثمن الغنم تفاوت فلهذا قضى به داود.
وقال ابن مسعود وشريح: إنه كان كرمًا قد نبتت عناقيده (¬3).
وقال الفراء: النَّفْشُ أن ترعى الغنم ليلًا والحمل نهارًا والكل بغير راع.
{وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء: 78] أي: لا يخفى علينا من أمرهم.
فإن قيل: فهما اثنان، فلم جمع بقوله: "لحكمهم"؟ فالجواب من وجهين:
أحدهما: ما ذكرنا أن الاثنين جمع، وبه قال أبو يوسف.
¬__________
(¬1) أخرجه أحمد في "مسنده" (18937)، وجاء بعدها في (ب): فصل في وفاة داود عليه السلام.
(¬2) أخرجه الطبري في "تاريخه" 1/ 486 - 487. وانظر "عرائس المجالس" ص 291.
(¬3) انظر "عرائس المجالس" ص 291.

الصفحة 177