كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 2)

دمها ولا يغتسل من جنابة، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، إن هذا لهو البلاءُ المبين. والأصحُّ أنه لم يطأ نساءَ سليمان، قال مجاهد والحسن البصري: لم يثبت ذلك لأن الشيطان خلق من نار، فلو جامع امرأة لأحرقها. فلما مضت أربعون ليلة - وقيل: خمسون - اجتمع علماء بني إسرائيل، ونشروا التوراة، وبكوا وتضرعوا إلى الله تعالى، فلما رأى الشيطان ذلك طار من مجلس سليمان، ثم قذف بالخاتم في البحر فابتلعته سمكة.
فإن قيل: فكيف أقدم الشيطان على حمل الخاتم وفيه أسماء الله تعالى؟ فالجواب: إن الله أقدره عليه عقوبةً لسليمان، فغيَّر أوصافه وألقى عليه شبَه سليمان إلى المدة المذكورة.
والسبب الثاني: في امتحان الله سليمان ما رواه الوالِبي عن ابن عباس قال: كان بين قوم وبين أهل امرأةٍ لسليمان حكومة، فقضى سليمان عليه السلام للقوم على أهل المرأة، إلا أنه ودَّ بقلبه لو كان الحقُّ لأهلها، فعوقب إذ لم يكن هواه فيهم واحدًا.
والثالث: أن هذه الزوجة كانت آثر النساء عنده فقالت له: إن بين أخي وبين قوم خصومة، وإني أحب أن تقضي له فقال: نعم، ولم يفعل، فابتلي لأجل ما قال: نعم، قاله السُّدي. والأصحّ القول الأول، وعامة العلماء عليه.
وقال جدي في "التبصرة": وفي كيفية ذهاب الخاتم قولان، أحدهما: أنه كان جالسًا على شاطئ البحر فوقع منه، قاله عليّ عليه السلام. والثاني: أنَّ شيطانًا أخذه (¬1).
ثم في كيفية أخذه هو أقوال: أحدها: أنه وضعه تحت فراشه ودخل الحمام، فأخذه الشيطان فألقاه في البحر، قاله ابن المسيّب. والثاني: أنه أخذه منه. والثالث: أنه أخذه من الأمينة، وهو الأصحّ، ذكره سعيد بن جبير ووهب وغيرهما.
واختلفوا في رجوع الخاتم إليه على أقوال:
أحدها: ما ذكرنا عن ابن عباس وروينا.
والثاني: أنَّ الحوت بلع الخاتم فأخذه بعض الصيَّادين ودفعه إلى سليمان وآخر
¬__________
(¬1) "التبصرة" 1/ 291.

الصفحة 236