كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 2)

فصل في معجزاته
قال علماء السِّير: معجزاته كثيرة منها تَسخير الشياطين له، قال ابن عباس: بنوا له مُدنًا كثيرة منها تَدْمُر وبَعْلَبَك، وفيها يقول النَّابغة:
إلا سُلَيمانُ إذْ قال المَليكُ لَهُ ... قُمْ في البَريَّةِ فاحْدُدْها عن الفَنَدِ
وخيِّسِ الجنَّ إني قَدْ أَمَرْتهمُ ... يَبْنُون تَدْمُرَ بالصُّفَّاحِ والعَمَد (¬1)
وقال الجوهري: الصُّفَّاح - بالضم والتشديد -: الحجر العريض (¬2). وقيل: الرخام الأبيض والأصفر. وقال السُّدي: لا يختلفون أنه بنى تَدْمُر، وفي بَعْلَبَك خلاف، وبنى قلعة سليمان بخُراسان والأُبُلَّة، والسّوس، وإِصْطَخْر.
وقال الثعلبي: وُجدَت في صخرة منقورة بأرض كَسْكَر هذه الأبيات:
ونَحْنُ ولا حَوْلٌ سوى حَوْل رَبِّنا ... نَروحُ إلى الأوطانِ من أَرض تَدْمُرِ
إذا نَحْنُ رُحْنَا كان رَيْثُ رَوَاحِنَا ... مَسيرةَ شَهْرٍ والغدوُّ لآخَرِ
أُنَاسٌ شَرَوا لله طَوْعًا نفوسَهُم ... بنَصْر ابنِ داود النَّبيِّ المطهَّرِ
لَهُم في مَعَالي الدِّين فَضْلٌ وَرَأفةٌ ... وإنْ نُسِبُوا يومًا فهمْ خيرُ مَعْشَرِ
متى يَرْكَبُوا الرِّيحَ المطيعةَ أَسْرَعتْ ... مبادرةً من شَهْرِها لَمْ تُقَصِّرِ
يُظِلُّهُم طيرٌ صُفُوفًا عَلَيْهمُ ... متى رَفْرَفَتْ مِنْ فَوْقِهم لم تَفَتَّرِ (¬3)
وأمر زوبعة فبنى باليمَن حِصن سَلْحِين وصِرْوَاح ومِرْوَاح وبَيْنُوْن وهند وهُنَيْدة ومبلوم.
ولما مات سليمان صاح صائحٌ من السماء بعد سنة في الليل: يا معاشر الجِنّ والشياطين مات نبيُّ الله سليمان فارفعوا أيديكم، فعمدت الشياطين إلى حجر وكتبوا عليه بالمسند أسماء الحصون الي بنوها وتفرقوا.
وقال جدي رحمه الله في "التبصرة": وكانت الشياطين تغوص في البحار
¬__________
(¬1) البيتان في ديوانه: ص 33، و"الفند" الخطأ في الرأي والقول، و"خيس": ذلل.
(¬2) "الصحاح": (صفح).
(¬3) "عرائس المجالس" ص 305.

الصفحة 240