السفينةَ فزجَّ نفسه في البحر وغاب عنا. ففيل صاحبه: والله إني صحبته منذ ثلاثين سنة ما رأى مني زلَّةً غيرها. قال: وسرنا أيامًا وأنا أَخدمه حتى أتينا مَكَّةَ، فبينما نحن في الطواف وإذا برجل، فقلت لرفيقه: هذا صاحبك، فجاء فسلَّم عليه فقال له: أُبْ إلى الله بالتوبةِ من ذنبك، ففعل فقلت: الصحبة فقال: قد نَهَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عَن صُحْبة الثلاثة، لِئلا يتناجى اثنان دونَ الثالِث (¬1)، ثم افترقا، فإن يكن أحد من الأبدال فهما ذانك الفتيان.
وأما الذي حدثني سفيان الثوري فقال: بلغني أنَّ المسيح عليه السلام مرَّ بمقبرة، فنادى: يا أهل القبور أخبرونا عن حالكم، فقام رجل منهم ينفض التراب عن رأسه ويقول: يا روحَ الله ما الذي تريد منا؟ فإني لواقفٌ في الحساب منذ سبعين سنة، قال: وما كنت تعمل؟ قال: حمَّالًا أحملُ الحطب فبعتُ يومًا حزمةً من رجل، وأخذتُ منها شظيّةً فتخلَّلتُ بها ورميتها في الطريق، فعاتبني الله وقال: استهنتَ بأمري وقد علمتَ أني مطَّلعٌ عليك أسمع وأرى، قال: فشاب مُقَدَّمُ رأسِ المسيح من هول ما سمع منه وقال سفيان: هؤلاء أصحاب الشظايا، فما بالكم بأصحاب الجذوع؟ !
قلتُ: وقد ذكره الخطيب (¬2) وقال: كان أحول، وحدَّث عنه عباس الدوري ومسلم بن حجاج وأبو زرعة الرازي وعبد الله بن أحمد بن حنبل وغيرهم، وكان ثقة، ومات بمدينة أبي جعفر ببغداد، أول يوم من رمضان سنة إحدى وثلاثين ومئتين.
ومنهم: سليمان بن داود بن خالد بن عباد، من ساكني جَرود من إقليم مَعْلُولَا من عمل دِمَشق (¬3).
ومنهم: سليمان بن داود بن عبد الله أبو أيوب، من أهل نَيْسَابُور (¬4)، وذكره الحاكم أبو عبد الله في "تاريخه"، ومات في سنة عشرين وثلاث مئة بنَيْسَابُور، وسافر إلى الشام
¬__________
(¬1) أخرجه أحمد في "مسنده" (4564)، والنهي فيه عن التناجي فقط وليس عن الصُّحبَة، بل ورد الحضُّ على صُحبة الثلاثة في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة رَكْبٌ" أخرجه أبو داود (2607)، والترمذي (1674).
(¬2) وَهِمَ المصنف رحمه الله في هذا، فالذي ترجم له الخطيب 10/ 49 نسبته "الخُتّلي" وتوفي سنة 231 هـ، أما المقصود فهو "الجيلي"، وتوفي نحو سنة 469 هـ.
(¬3) "تاريخ دمشق" 22/ 302.
(¬4) "تاريخ دمشق" 64/ 354.