فالجواب: أنَّ معنى: أبقَ، أي: هرب، والفلك: السفينة، والمشحون: المملوء، وساهم، أي: قارع، وهي إلقاء السهام على وجه القرعة، والمدحض: المغلوب، والتَقَمَه: ابتلعه، والمليم: المذنب الذي يُلام على ما أتى به، والمسبِّحين: المصلِّين العابدين.
وقال الحسن: لم يكن له صلاة في بطن الحوت، وإنما قدَّم عملًا صالحًا، ولولا ذلك العمل {لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144)} [الصافات: 144] أي: صار بطن الحوت له قبرًا (¬1).
قال ابن عباس: إنما كانت رسالة يونس بعدما نبذه الحوت، قال: ودليله أنَّ الله ذكر قصَّة يونس في سورة الصافات ثم عقبها بقوله: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} (¬2).
قلت: والأصح أنَّ قصة الحوت كانت بعدما أرسله إلى قومه، لأن الله قد ذكره في سورة يونس وهي مقدمة على الصافات، وأيضًا فإن الواو للجمع وعليه عامة المفسرين.
وقوله: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)} [الأنبياء: 88] إذا استغاثوا بنا ودعونا.
فإن قيل: فما معنى قوله: {وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ} [الصافات: 146]؟ قلنا: قد اختلفوا في اليقطين:
قال ابن مسعود: وهو القَرْع. وقال ابن عباس: هو كل نبت يمتدُّ وينبسط على وجه الأرض ولا يبقى على الشتاء، وليس له ساق، نحو: القَرْع، والقِثَّاء والبِطِّيخ، ونحوه.
وقيل: إنما خص اليَقطِين لأنه لا تقربُه الذباب.
وقال مقاتل: ثم عاد يونس إلى الشام، فتوفي بأرض فلسطين.
ويقال: إن قبره بقرية مشهورة يقال لها: حَلحُول من أعمال (¬3) الخليل عليه السلام. ورأيت في بعض التاريخ أن قبره بالكوفة، وفيه بُعد، والله أعلم (¬4).
¬__________
(¬1) انظر "تفسير البغوي" ص 1101، و"زاد المسير" 7/ 86 - 87.
(¬2) انظر "عرائس المجالس" ص 411.
(¬3) في (ك): أرض، والمثبت من (ب) و (ط).
(¬4) اعتمد الدكتور إحسان عباس فيما بعد هذه الأخبار في نشرته للكتاب على نسخة (ب)، وهي مختصرة جدًا، وقد اعتمدنا هنا على نسخة كوبريللي والخزائنية التي رمزنا لها بـ (خ).