كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 2)

فالجواب: أنَّ معنى: أبقَ، أي: هرب، والفلك: السفينة، والمشحون: المملوء، وساهم، أي: قارع، وهي إلقاء السهام على وجه القرعة، والمدحض: المغلوب، والتَقَمَه: ابتلعه، والمليم: المذنب الذي يُلام على ما أتى به، والمسبِّحين: المصلِّين العابدين.
وقال الحسن: لم يكن له صلاة في بطن الحوت، وإنما قدَّم عملًا صالحًا، ولولا ذلك العمل {لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144)} [الصافات: 144] أي: صار بطن الحوت له قبرًا (¬1).
قال ابن عباس: إنما كانت رسالة يونس بعدما نبذه الحوت، قال: ودليله أنَّ الله ذكر قصَّة يونس في سورة الصافات ثم عقبها بقوله: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} (¬2).
قلت: والأصح أنَّ قصة الحوت كانت بعدما أرسله إلى قومه، لأن الله قد ذكره في سورة يونس وهي مقدمة على الصافات، وأيضًا فإن الواو للجمع وعليه عامة المفسرين.
وقوله: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)} [الأنبياء: 88] إذا استغاثوا بنا ودعونا.
فإن قيل: فما معنى قوله: {وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ} [الصافات: 146]؟ قلنا: قد اختلفوا في اليقطين:
قال ابن مسعود: وهو القَرْع. وقال ابن عباس: هو كل نبت يمتدُّ وينبسط على وجه الأرض ولا يبقى على الشتاء، وليس له ساق، نحو: القَرْع، والقِثَّاء والبِطِّيخ، ونحوه.
وقيل: إنما خص اليَقطِين لأنه لا تقربُه الذباب.
وقال مقاتل: ثم عاد يونس إلى الشام، فتوفي بأرض فلسطين.
ويقال: إن قبره بقرية مشهورة يقال لها: حَلحُول من أعمال (¬3) الخليل عليه السلام. ورأيت في بعض التاريخ أن قبره بالكوفة، وفيه بُعد، والله أعلم (¬4).
¬__________
(¬1) انظر "تفسير البغوي" ص 1101، و"زاد المسير" 7/ 86 - 87.
(¬2) انظر "عرائس المجالس" ص 411.
(¬3) في (ك): أرض، والمثبت من (ب) و (ط).
(¬4) اعتمد الدكتور إحسان عباس فيما بعد هذه الأخبار في نشرته للكتاب على نسخة (ب)، وهي مختصرة جدًا، وقد اعتمدنا هنا على نسخة كوبريللي والخزائنية التي رمزنا لها بـ (خ).

الصفحة 291