كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 2)

فأوحى الله إليه: لئن قلت آه محوتك من ديوان النبوَّة، هلا التجأت إلينا وقد وكلناك إليها، فقطعوه وهو ساكت. وأمر الله الملائكة فغسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه بفَلَسْطِيَّة، وهي التي تسمَّى اليوم سَبْسَطية بأرض نابلس.
وذكر ابن إسحاق عن بعض أهل العلم: أن زكريا مات على فراشه ولم ينشر، والذي نشر إنما هو شعيا وقد ذكرناه. والأول أصحُّ.
وعامَّة المؤرخين على أن زكريا نشر قبل مقتل يحيى، إلا هارون بن المأمون فإنه قال: قُتِلَ يحيى وزكريا في الحياة، فهرب إلى بستان، فنادته شجرة: يا نبي الله، إلى هاهنا، وانفرجت له، فتبعوه فشقوه. والأول أصح، وقد نص عليه السدِّي والكلبي وابن إسحاق وقالوا: قتل زكريا وليحيى سبع سنين، وما نُبئ إلا بعد قتل أبيه (¬1).

فصل يتعلق بيحيى عليه السلام
ذكر هارون بن المأمون في تاريخه: أنَّ يحيى عليه السلام لما ولد رفع إلى السماء، فكان على باب الجنة حتى فُطِمَ، ثم أنزل إلى أبيه، فكان البيت يضيء بنوره، وكان حسن الصورة، قصيرًا، قليل الشعر، مقرون الحاجبين.
قال الله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم: 12] وفي سنه يومئذٍ قولان:
أحدهما: ثلاث سنين، قاله قتادة. والثاني: سبع سنين، قاله ابن عباس (¬2).
فإن قيل: فما بعث الله نبيًا إلا بعد الأربعين، فكيف نُبِّئ يحيى وهو صغير؟
فالجواب: أنَّ الله يختص برحمته من يشاء، وكان ذلك من خصائصه، وهذا هو الجواب عن عيسى عليه السلام.
وقوله: {خُذِ الْكِتَابَ} أي: التوراة {بِقُوَّةٍ} بجدِّ واجتهاد {الْحُكْمَ} الفهم.
وقال ابن عباس: كان الصبيان يقولون له: هلم لنلعب، فيقول: ما خلقنا للَّعِب، وإنما خلقنا للْعَبِّ، يعني: النقل (¬3).
¬__________
(¬1) انظر "عرائس المجالس" ص 383، و"البداية والنهاية" 2/ 52.
(¬2) انظر "التبصرة" 1/ 341.
(¬3) انظر "عرائس المجالس" ص 379.

الصفحة 299