كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 2)

وقال ابن عباس: أرسلَهُ الله وهو ابن ثلاثين سنة، فأَقام في الرسالة ثلاثين شهرًا، ثم رفعهُ إليه. وقال وهب: أقام في الرسالة ثلاثَ سنين، ثم رُفع.
فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: {إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا} [مريم: 16]؟ فالجواب (¬1): ما حكاهُ علماء السِّير ممن سمينا، قالوا: معنى {انْتَبَذَتْ} انفردت وتنحَّت، وكانت قد خرجت عن أهلها، ومعنى {مَكَانًا شَرْقِيًّا} أي: مما يلي الشرق، لأنه كان في الشتاء، وكان أقصر يومٍ في السنة، قال الحسن: فلهذا اتخذت النصارى الشرق قِبلةً.
{فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا} أي: ضربت سترًا يمنع من ينظر إليها، وكانت إذا حاضت خرجت من المسجد، فتغتسل ثم تعود إليه.
وقد اختلفوا في سنِّها يومئذٍ على أقوال:
أحدها: أنه كان لها خمس عشرة سنة، قاله ابن عباس.
والثاني: اثنتا عشرة سنة، قاله وهب.
والثالث: ثلاثَ عشرة سنة، قاله مجاهد.
والرابع: عشر سنين. والأول أصحُّ.
قال مقاتل: بينما هي تغتسل، إذ عرض لها جبريل في صورة غلامٍ أَمرد وضيء الوجه، جَعْد، قَطَط، حين خطَّ (¬2) شاربه، وهي تمتشط؛ وإنما جاءها في صورة البشر لتثبت ولا تخاف، فذلك قوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم: 17].
واختلفوا في معنى قوله تعالى: {رُوحَنَا} على قولين: أحدهما: أنَّ الروح جبريل. والثاني. عيسى.
قال أُبيُّ بن كعب: كان روح عيسى من الأرواح التي أخذ الله عليها الميثاق في زمن
¬__________
(¬1) انظر تفسير الثعلبي 6/ 209، وعرائس المجالس 384، والنكت والعيون للماوردي 3/ 14، وزاد المسير 5/ 216.
(¬2) في (ب): طرَّ، وهما بمعنى.

الصفحة 309