كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 2)

قالوا: نصيد، فقال. ألا تمشون معي حتى نصيد بني آدم، فقالوا: مَن أنت، قال: عيسى ابن مريم، فآمنوا به وانطلقوا معه، فلمَّا رأت اليهود ما يبدو منه من المعجزات والآيات نسبوه إلى السحر والنارَنْجِيّات (¬1) فنهوه عن ذلك، ونهوا الناس عنه فلم ينتهوا، فعزموا على قتله، فاستنفر عليهم الحواريين فقال: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} قالوا: نحن أنصار الله، أي: أعوان دينه {آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ} علينا يا عيسى {بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 52].
وقصد اليهود قتله وطلبوه أشد الطلب وأخبروا المَلِكَ وكان يهوديًا، فركب بنفسه ومعه اليهود، فدخل عيسى خَوْخَة، ووقف الملك على بابها، فقال رجل: أنا أدخل خلفه فدخل فألقى الله عليه شبه عيسى ورفع الله إليه عيسى مِن الكُوَّة التي في الخَوْخَة، وخرج الرَّجل إلى أصحابه فقال: ليس في الخَوْخَة أَحَدٌ، فقالوا: بلى، أنت هو، فقتلوه وصلبوه، قال ابن عباس فذلك قوله تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [آل عمران: 54] فمكر الله إلقاؤه على الرجل شبه عيسى، ومكرهم طلبهم لعيسى.
فإن قيل: فالمكر لُطف الحيلة والتدبير، وهو من الله ممتنع، فالجواب: إنه من الله المُجازَاة واستدراج العبد {وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} أي: المُجازِين، وقال ثعلب: المَكْرُ مِنَ الخَلْق الخِدَاعُ والفساد والاحتيال، ومِنَ الله المُجازَاةُ على الأعمال.
وقال وهب: نصبوا لعيسى خشبة ليصلبوه عليها فأظلمت الدنيا وأرسل الله الملائكة فحالت بينهم وبينه، وهناك رجل يقال له: يهوذا، وهو الذي دلَّهم عليه فصلبوه.
قلت: وقد عاب أبو العلاء المَعَرِّي على النصارى تخلِّيهم عن المسيح حتى صُلب، وبيَّن فساد اعتقادهم.
قرأتُ على شيخنا تاج الدين الكندي قال: حدثنا أبو منصور بن الجَواليقي، قال: حدثنا أبو زكريا التِّبريزي قال: قرأت على أبي العلاء المعري (¬2) من شعره من قصيدة:
¬__________
(¬1) النِّيْرَجُ: أُخَذٌ كالسحر، وليس به، أي: ليس بحقيقته وإنما هو تشبيه وتلبيس وهي النِّيرَنْجيِّات، انظر تاج العروس.
(¬2) في (خ) و (ك): أبي المعرّا (كذا؟ )، والقصيدة في "لزوم ما لا يلزم" لأبي العلاء المعري 3/ 1673.

الصفحة 333