كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 2)

رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ من الشعرِ لَحِكْمةً". وفي رواية: "لحكماً". انفرد بإخراجه البخاري (¬1).
وروى الإمام أحمد - رضي الله عنه -، عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لأنْ يَمتَلئَ جوفُ أحدِكم قيحاً حتى يَرِيَه، خيرٌ له من أن يمتلئ شعراً" وأخرجه مسلم (¬2).
وفصل الخطاب في الباب جوازُه، وما رُوي من الذّم، فمحمول على الهَجْو دون المدح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع الشعر، وأجاز عليه، وقال لحسان: "هاجِهِم" (¬3)، ونَصب له مِنبراً في المسجد. ولأن الله تعالى بعث رسوله - صلى الله عليه وسلم - في زمن الفُصحاء والشعراء، وأنزل عليه القرآن، فعجبت قريش من نَظْمه ونَثره، وعَجَزوا عن الإتيان بمثله.
وروى كعب الأحبار قال: سمعت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: نِعمَ الأبياتُ من الشعر يُقدِّمها الرجل في صدر حاجته يستعطفُ بها قلبَ الكريم، ويستميلُ بها لُؤم اللئيم (¬4).
وروي عن أبي الدرداء أنه قال: سمع رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قائلاً يُنشِد بيتَ الحُطيئة: [من البسيط]
مَن يفعَلِ الخير لا يَعدَمْ جوازِيَهُ. . . لا يَذهب العُرفُ بين الله والناسِ
فقال: "نعم" (¬5).
وروي عن أبي الدرداء أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن رواحة: "ما الشعرُ"؟ فقال: شيء يَعتَلِجُ في صدري، فيَنطِقُ به لساني. قال: "فأنشِدْني منه"، فقال:
وثبَّتَ الله ما آتاك من حَسَنٍ
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وأنت ثبَّتك الله" (¬6).
¬__________
(¬1) مسند أحمد (21154)، وصحيح البخاري (6145).
(¬2) مسند أحمد (1506)، وصحيح مسلم (2258).
(¬3) أخرجه أحمد (18650)، والبخاري (3213)، ومسلم (2486) من حديث البراء بن عازب - رضي الله عنه -.
(¬4) العقد الفريد 5/ 274، والعمدة 1/ 16.
(¬5) لم أقف عليه، وانظر العقد الفريد 5/ 276، والبيت في ديوانه ص 284.
(¬6) العقد الفريد 5/ 278، والخبر بنحوه في طبقات فحول الشعراء 225 - 226، وطبقات ابن سعد 3/ 528، وتهذيب الآثار (977) (مسند عمر)، والمعجم الكبير للطبراني 13/ (437) الجزء المتمم، وسير أعلام النبلاء 1/ 234.

الصفحة 458