كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)

قُلْتُ: وَكَيْفَ لَا تَفْرَحُ القُلُوبُ بِحُلُولهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَهُوَ الحَبِيبُ المَحْبُوبُ بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -رضي اللَّه عنه- قَالَ: إِنِّي لَأَسْعَى فِي الغِلْمَانِ يَقُولُونَ: جَاءَ مُحَمَّدٌ، فَأَسْعَى فَلَا أَرَى شَيْئًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: جَاءَ مُحَمَّدٌ، فَأَسْعَى فَلَا أَرَى شَيْئًا، قَالَ: حَتَّى جَاءَ رَسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وَصَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ، فكَمَنَّا (¬1) فِي بَعْضِ حِرَارِ (¬2) المَدِينَةِ، ثُمَّ بَعَثَا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ لِيُؤْذِنَ بِهِمَا الأَنْصَارَ، فَاسْتَقْبَلَهُمَا زُهَاءَ (¬3) خَمْسِ مِئَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ حَتَّى انتهَوا إِلَيْهِمَا، فَقَالَ الأَنْصَارُ: انْطَلِقَا آمِنَيْنِ مُطَاعَيْنِ، فَأَقْبلَ رَسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وَصَاحِبُهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَخَرَجَ أَهْلُ المَدِينَةِ حَتَّى إِنَّ العَوَاتِقَ (¬4) لفَوْقَ البُيُوتِ يَترَاءَيْنَهُ، يَقُلْنَ: أَيّهُمْ هُوَ؟ أَيُّهُمْ هُوَ؟
فَمَا رَأَيْنَا مَنْظَرًا شَبِيهًا بِهِ يَوْمَئِذٍ (¬5).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ -رضي اللَّه عنه- قَالَ: . . . فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ المَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيءٍ فَرَحَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، حَتَّى جَعَلَ
¬__________
(¬1) كمن: اختفى. انظر لسان العرب (12/ 160).
(¬2) حرار المدينة: هي أرض بظاهر المدينة بها حجارة سود كثيرة. انظر النهاية (1/ 351).
(¬3) زُهاء: أي قَدْر، يقال: هم زُهاء مائة: أي قدرها. انظر لسان العرب (6/ 106).
(¬4) العاتق: الشابة أول ما تدرك. انظر النهاية (3/ 162).
(¬5) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (13205)، (13318).

الصفحة 109