كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)

اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فِيهِ المَدِينَةَ، أَضَاءَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ (¬1).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ -رضي اللَّه عنه- أَنَّهُ قَالَ: . . . فَمَا رَأَيْتُ يَوْمًا قَطُّ أَنْوَرَ وَلَا أَحْسَنَ مِنْ يَوْمِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وَأَبُو بَكْرٍ المَدِينَةَ (¬2).
وَكَانَ رَسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لَا يَمُرُّ بِدَارٍ مِنْ دُورِ الأَنْصَارِ إِلَّا أَخَذُوا خِطَامَ (¬3) رَاحِلَتِهِ قَائِلِينَ: هَلُمَّ يَا رَسُولَ اللَّه إِلَى العَدَدَ وَالعُدَّةِ وَالمَنَعَةِ، فَكَانَ يَقُولُ لَهُمْ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ" (¬4)، وَلَمْ تَزَلْ نَاقَتُهُ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَائِرَةً بِه حَتَّى إِذَا أَتَتْ دَارَ بَنِي مَالِكِ ابنِ النَّجَارِ -وَهُوَ مَوْضِعُ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ اليَوْمَ- بَرَكَتْ فَلَمْ يَنْزِلْ عَنْهَا -صلى اللَّه عليه وسلم-، حَتَّى نَهَضَتْ وَسَارَتْ قَلِيلًا، ثُمَّ الْتَفَتَتْ، وَرَجَعَتْ وَبَرَكَتْ فِي مَوْضِعِهَا الأَوَّلِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مَرْبِدٌ (¬5) لِلتَّمْرِ لِسَهْلٍ وَسُهَيْلٍ ابْنَيْ عَمْرٍو غُلَامَيْنِ
¬__________
(¬1) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب ذكر إنكار الصحابة قلوبهم عند دفن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- رقم الحديث (6634) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (13830).
(¬2) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (12234).
(¬3) الخِطَام: هو الحَبْلُ الذي يُقَادُ به البعير. انظر النهاية (2/ 49).
(¬4) قال الشيخ علي الطنطاوي في كتابه رجال من التاريخ ص 18: وأقبل الأنصار يدعونه -صلى اللَّه عليه وسلم- لينزِلَ فيهم يتسابقُونَ على هذا الشَّرَف الخالد، فماذا صَنَع -صلى اللَّه عليه وسلم-؟
انظروا إلى لُطفه ولَبَاقته -صلى اللَّه عليه وسلم-، إنه لا يريد أن يُؤْذِي أحدًا بالرَّفض، فقال: اتركوا الناقة فإنها مأمُورَة.
(¬5) المِرْبَد: بكسر الميم وسكون الراء وفتح الباء، هو الموضع الذي يُجعل فيه التَّمر ليَنْشَف. انظر النهاية (2/ 168).

الصفحة 111