كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)

عِدَادِ العُظَمَاءِ فِي كُلِّ العُصُورِ، ولَوْلَا الهِجْرَةُ مَا وَجَدَ هَؤُلَاءِ مَنَاخَ الِانْطِلَاقِ.
لَا شَكَّ بَعْدَ هَذَا. . . أَنَّ الهِجْرَةَ كَانَتْ بِدَايَةَ انْطِلَاقِ الإِسْلَامِ إِلَى كُلِّ الآفَاقِ، وفَاتِحَةَ خَيْرٍ لبنَاءِ الدَّوْلَةِ الإِسْلَامِيَّةِ، وبُشْرَى تَخْلِيصِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنْ بَرَاثِنِ الظُّلْمِ وَالطُّغْيَانِ، وإرْهَاصَةَ (¬1) قِيَامِ الحَضَارَةِ الإِسْلَامِيَّةِ، لِهَذَا كَانَ الإِصْرَارُ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى أَنْ تَكُونَ الهِجْرَةُ، ولَيْسَتِ البِعْثَةُ أَوْ وَفَاةُ الرَّسُولِ -صلى اللَّه عليه وسلم- هِيَ بِدَايَةُ التَّأْريخِ الإِسْلَامِيِّ (¬2).
إِنَّ إِلْهَامَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -رضي اللَّه عنه- وَصِدْقَ فِرَاسَتِهِ فِي الِاعْتِدَادِ بِالهِجْرَةِ، وجَعْلِهَا بِدَايَةَ التَّأْرِيخِ (¬3) الإِسْلَامِيِّ كَانَ فِي مَحَلِّهِ ومَوْضِعِهِ.
¬__________
(¬1) الإرهاص: المقدمة للشيء. انظر لسان العرب (5/ 343).
(¬2) انظر كتاب التخطيط للهجرة مبادئ علمية وإلهامات ربانية ص 115 - 123 للأستاذ أحمد عبد العظيم.
(¬3) أخرج الإمام البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب التاريخ، من أين أرَّخُوا التاريخ؟ - رقم الحديث (3934) عن سهل بن سعد -رضي اللَّه عنه- قال: ما عَدُّوا من مَبْعَث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا من وَفَاته، ما عدّوا إلا من مقدمه المدينة.
وأخرج الحاكم في المستدرك وصححه - كتاب الهجرة - باب مشاورة عمر -رضي اللَّه عنه- في أمْرِ تاريخ الإسلام - رقم الحديث (4344) عن سعيد بن المسيب قال: جمَعَ عمر -رضي اللَّه عنه- الناس فسألهم: من أي يومٍ يكتب التاريخ؟
فقال علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه-: من يوم هَاجر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وترَكَ أرضَ الشرك، ففعله عمر -رضي اللَّه عنه-.
قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (3/ 220): اتفق الصحابة -رضي اللَّه عنهم- أجمعين في سنة ست عشرة وقيل سنة سبع عشرة، أو ثماني عشرة في الدولة العُمَرية على جعل ابتداء =

الصفحة 119