كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)
وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّه، مَا أهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ (¬1).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (¬2): أيْ طَيِّبُوا أقْوَالَكُمْ لَهُنَّ، وحَسِّنُوا أفْعَالَكُمْ، وهَيْئَاتِكُمْ بِحَسَبِ قُدْرَتكُمْ، كَمَا تُحِبُّ ذَلِكَ مِنْهَا، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وأنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ" (¬3)، وكَانَ مِنْ أخْلَاقِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنَّهُ جَمِيلُ العِشْرَةِ دَائِمُ البِشْرِ، يدَاعِبُ أهْلَهُ، ويَتَلَطَّفُ بِهِمْ، ويُوسِّعُهُمْ نَفَقتَهُ، ويُضَاحِكُ نِسَاءهُ، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يُسَابِقُ (¬4) عَائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ يَتَوَدَّدُ إِلَيْهَا بِذَلِكَ، ويَجْتَمعُ نِسَاؤُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي بَيْتِ التِي يَبِيتُ عِنْدَهَا رَسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَيَأْكُلُ مَعَهُنَّ العَشَاءَ فِي بَعْضِ الأحْيَانِ، ثُمَّ تَنْصَرِفُ كُلُّ وَاحِدَةٍ إِلَى مَنْزِلهَا، وَكَانَ يَنَامُ مَعَ المَرْأَةِ مِنْ نِسَائِهِ فِي شِعَارٍ (¬5) وَاحِدٍ، يَضَعُ عَنْ
¬__________
= السلام دُون غيره من الأنبياء دَلالةٌ على مَزِيدِ فِطْنَتِهَا؛ لأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أولى الناس به كما نَصَّ عليه القرآن، فلمَّا لم يكن لها بد من هَجْرِ الاسم الشريفِ أبدلتهُ بمَنْ هو منه بِسَبِيلٍ حتى لا تَخْرُجَ عن دائرةِ التعلق في الجُمْلَة.
(¬1) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب النكاح - باب غيرة النساء ووجدهن - رقم الحديث (5228) - ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب في فضل عائشة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا - رقم الحديث (2439).
(¬2) سورة النساء آية (19).
(¬3) أخرجه الترمذي في جامعه - كتاب المناقب - باب في فضل أزواج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رقم الحديث (4233) - وابن حبان في صحيحه - كتاب النكاح - باب معاشرة الزوجين - رقم الحديث (4177) وإسناده صحيح.
(¬4) تقدم قبل قليل هذا الحديث.
(¬5) الشِّعَار: هو الثوب الذي يَلِي الجَسَد؛ لأنه يلي شعره. انظر النهاية (2/ 429).