كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)

وَكَانَتْ امْرَاَةً بَيْضَاءَ جَمِيلَةً، ومِنْ ثَمَّ يُقَالُ لَهَا: الحُمَيْرَاءُ (¬1)، وَلَمْ يتَزَوَّجِ النَّبِيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بِكْرًا غَيْرَهَا، وَلَا أحَبَّ امْرَأَةً حُبَّهَا، وَلَا أعْلَمُ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ -صلى اللَّه عليه وسلم-، بَلْ وَلَا فِي النِّسَاءِ مُطْلَقًا، امْرَأَةً أَعْلَمَ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ لِلصِّدِّيقَةِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا شَأْوٌ (¬2) لَا يُلْحَقُ، وأنا وَاقِفٌ فِي أَيِّتِهِمَا أفْضَلُ، نَعَمْ جَزَمْتُ بِأَفْضَلِيَّةِ خَدِيجَةَ عَلَيْهَا لِأُمُورٍ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُهَا (¬3).
وَقَالَ الشَّيْخُ عَلِي الطَّنْطَاوِي: هَذِهِ السَّيِّدَةُ لَمْ تَتَخَرَّجْ فِي الجَامِعَةِ، لَمْ تَكُنْ فِي أيَّامِهَا الجَامِعَاتُ، ولَكِنَّهَا كَانَتْ، وَلَا تَزَالُ كَمَا كَانَتْ تُدَرَّسُ آثارُهَا فِي كُلِيَّةِ الآدَابِ، وَتُقْرَأُ فتَاوَاهَا فِي كُلِّيَّاتِ الدِّينِ، . . . امْرَأَةٌ مَلَأَتِ الدُّنْيَا، وَشَغَلَتِ النَّاسَ، عَلَى مَرِّ الدُّهُورِ.
ذَلِكَ لِأَنَّهُ أُتِيحَ لَهَا مَا لَمْ يُتَحْ لِأَحَدٍ، فَلَقَدْ تَوَلَّاهَا فِي طفولَتِهَا، شَيْخُ المُسْلِمِينَ وأفْضَلُهُمْ، أبُوهَا الصِّدِّيقُ -رضي اللَّه عنه-، ورَعَاهَا فِي شَبَابِهَا خَاتَمُ الرُّسُلِ، وأكْرَمُ البَشَرِ زَوْجُهَا رَسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-, فَجَمَعَتْ مِنَ العِلْمِ والفَضْلِ والبَيَانِ مَا لَمْ تَجْمَعْ مِثْلَهُ امْرَأَةٌ أُخْرَى.
¬__________
(¬1) أخرج الإمام الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (292) - والنسائي في السنن الكبرى - رقم الحديث (8902) بسند صحيح عن عائشة زوج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قالت: دخل الحبشةُ المسجد يَلْعَبون، فقال لي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يا حُمَيْرَاء أتحِبِّين أن تَنْظُري اليهم؟ . . . " الحديث - وأورده الحافظ في الفتح (3/ 118) وصحح إسناده، وقال: ولم أرَ في حديث صحيح ذكر الحُمَيْراء إلا في هذا.
(¬2) الشَّأْو: هو الشَّوْطُ والمَدَى. انظر النهاية (2/ 392).
(¬3) انظر سير أعلام النبلاء (2/ 135).

الصفحة 147