كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)

ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- الغُلَامَيْنِ فَسَاوَمَهُمَا بالمِرْبَدِ لِيَتَّخذَهُ مَسْجِدًا، فَقَالَا: لَا بَلْ نَهَبُهُ (¬1) لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأبَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُمَا حتَّى ابْتَاعَهُ (¬2) مِنْهُمَا، ثُمَّ بَنَاهُ مَسْجِدًا (¬3).
وفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ -صلى اللَّه عليه وسلم- عِنْدَمَا أَمَرَ ببنَاءِ المَسْجِدِ، أرْسَلَ إلى مَلَأِ بَنِي النَّجَّارِ، فَجَاؤُوا، فَقَالَ لَهُمْ: "يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي (¬4) بِحَائِطِكُمْ (¬5) هَذَا".
فَقَالُوا: لا وَاللَّهِ، لا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ (¬6).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وظَاهِرُ الحَدِيثِ أَنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوا مِنْهُ ثَمَنًا، وذَكَرَ ابنُ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ (¬7) أَنَّهُ -صلى اللَّه عليه وسلم- اشْترَاهُ مِنْهُمَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ أخَذَهُمَا مِنْ أبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -رضي اللَّه عنه-.
¬__________
(¬1) الهِبَة: هي العَطِيّة الخَالِيَةُ عن الأعواض والأغراض. انظر النهاية (5/ 200).
(¬2) ابتَاعَ الشيء: اشترَاهُ. انظر لسان العرب (1/ 557).
(¬3) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار- باب هجرة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (3906).
(¬4) ثَامِنُوني: أي قَرِّرُوا معي ثَمَنَهُ وبِيعُونِيه بالثَّمن. انظر النهاية (1/ 217).
(¬5) الحَائِطُ: هو البستان من النخيل إذا كان عليه حائط وهو الجِدَار. انظر النهاية (1/ 444).
قال الحافظ في الفتح (7/ 683): تقدم أنَّه كان مربدًا، فلعله كان أولًا حَائطًا ثم خِرَب فصار مربدًا، ويؤيدُه قوله كما سيأتي: إنه كان فيه نخلٌ وخِرَب.
(¬6) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأَنصار - باب مقدم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه المدينة - رقم الحديث (3932) - ومسلم في صحيحه - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب ابتناء مسجد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رقم الحديث (524).
(¬7) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (1/ 115).

الصفحة 159