كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)

وأصْحَابُهُ يَبْنُونَ المَسْجِدَ، قَالَ: فَكَأَنَّهُ لَمْ يُعْجِبْهُ عَمَلُهُمْ، قَالَ: فَأَخَذْتُ المِسْحَاةَ (¬1)، فَخَلَطْتُ بِهَا الطِّينَ، فكَأَنَّهُ أَعْجَبَهُ أَخْذِي المِسْحَاةَ وَعَمَلِي، فَقَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "دَعُوا الحَنَفِيَّ وَالطِّينَ، فَإِنَّهُ أضْبَطُكُمْ لِلطِّينِ" (¬2).
وفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ في مُسْنَدِهِ وابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ قَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "قَدِّمُوا اليَمَامِيَّ مِنَ الطِّينِ، فَإِنَّهُ أحْسَنكُمْ لَهُ مَسًّا، وأشَدُّكُمْ مِنْكَبًا" (¬3).
وكَانَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ -رضي اللَّه عنه- يَقُولُ:
لَا يَسْتَوِي مَنْ يَعْمُرُ المَسَاجِدَا ... يَدْأَبُ فِيهَا قَائِمًا وَقَاعِدا
وَمَنْ يُرَى عَنِ التُّرَابِ حَائِدًا (¬4)

* شِدَّةُ عَمَّارٍ -رضي اللَّه عنه- في العَمَلِ:
وَكَانَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَحْمِلُونَ لَبِنَة لَبِنَةً، وجَعَلَ عَمَّارُ بنُ يَاسِرٍ -رضي اللَّه عنه- يَحْمِلُ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ (¬5)، وكَانَ رَجُلًا ضَابِطًا (¬6)، فَرَآهُ النَّبِيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَجَعَلَ يَنْفُضُ
¬__________
(¬1) المِسْحَاة: هي المِجْرَفَة من الحديد. انظر النهاية (4/ 280).
(¬2) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (24009/ 31).
(¬3) المِنكب: هو ما بين الكتفِ والعنقِ، أَرادَ -صلى اللَّه عليه وسلم- قوّته على التحمل. انظر النهاية (5/ 99).
والحديث أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (24009/ 27) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الطهارة - باب نَواقض الوضوء - رقم الحديث (1122).
(¬4) أورد ذلك الحافظ في الفتح (7/ 659).
(¬5) قال الحافظ في الفتح (2/ 112): فيه جوازُ ارتكابِ المَشَقَّة في عَمَل البِرّ.
(¬6) الضَّابِطُ: الشديدُ البَطْشِ والقوةِ والجِسْم. انظر لسان العرب (8/ 16) - النهاية (3/ 67).

الصفحة 163