كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)

التُّرَابَ عَنْ رَأْسِهِ (¬1) وهُوَ يَقُولُ: "يَا عَمَّارُ ألَا تَحْمِلُ مَا يَحْمِلُ أصْحَابُكَ؟ " قَالَ: إنِّي أُرِيدُ الأَجْرَ مِنَ اللَّهِ، فَقَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ابْنَ سمَيَّةَ، لِلنَّاسِ أَجْرٌ وَلَكَ أجْرَانِ، وآخِرُ زَادِكَ شَرْبَةٌ مِنْ لَبَنٍ (¬2)، وتَقْتُلُكَ الفِئَةُ البَاغِيَةُ" (¬3).
وفي رِوَايَةٍ أُخْرَى في صَحِيحِ البُخَارِيِّ قَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمَّا رَأَى عَمَّارَ بنَ يَاسِرٍ يَحْمِلُ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ: "وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُله الفِئَةُ البَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إلى الجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إلى النَّارِ" (¬4).
¬__________
(¬1) قال الحافظ في الفتح (2/ 112): فيه إكرامُ العاملِ في سبيل اللَّه والإحسان إليه بالفعل والقول.
(¬2) أخرج الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (18880) - والحاكم في المستدرك - رقم الحديث (5709) - والحديث صحيح - عن أبي البختري قال: قال عمَّار يوم صِفِّين: ائتُوني بشَربَةِ لبَنٍ، فإن رَسُول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "آخر شَرْبَةٍ تشربها من الدنيا شَرْبة لَبَنٍ"، فأُتِيَ بشربةِ لَبَنٍ، فشربها، ثم تَقَدَّم فَقُتِل.
(¬3) أورد هذا الحديث الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (3/ 213) وقال: هذا إسناد على شرط الصحيحين.
قلتُ: وقع في صحيح مسلم - كتاب الفتن وأشراط الساعة - باب لا تقوم الساعة حتَّى يَمُرُّ الرَّجل بقبرِ الرَّجل - رقم الحديث (2915) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (26482) - أن رَسُول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لعمارٍ -رضي اللَّه عنه-، حين جعل يَحْفِرُ الخندقَ: "تَقْتُلُكَ الفِئَةُ البَاغِيَةُ".
والإشكال هنا قوله: يحفِرُ الخندق.
قال البيهقي في الدلائل (2/ 549): يُشبه أن يكون ذِكْر الخَنْدق وهمًا، أو كان قد قال له ذلك عند بناء المسجد، وقالها يوم الخندقِ، واللَّه أعلم.
وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (3/ 213): حَمْلُ اللبن في حَفْرِ الخندقِ لا معنى له، والظاهر أنَّه اشتَبَه على النَّاقل، واللَّه أعلم.
(¬4) قال الحافظ في الفتح (2/ 112): فإن قِيل كان قَتْلُ عمار -رضي اللَّه عنه- بِصِفِّين سنة (36 هـ) وهو مع علي -رضي اللَّه عنه-، والذين قتَلوه مع معاوية -رضي اللَّه عنه-، وكان معه جماعة من الصَّحَابَة، فكيف يجوزُ عليهم الدعاء إلى النَّار؟ =

الصفحة 164