كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)

هَذَا البِنَاءُ المُتَوَاضِعُ، هُوَ الذِي رَبَّى مَلَائِكَةَ البَشَرِ، ومُؤَدِّبِي الجَبَابِرَةِ، ومُلُوكَ الدَّارِ الآخِرَةِ.
إِنَّ مَكَانَةَ المَسْجِدِ في المُجْتَمَعِ الإِسْلَامِيِّ، تَجْعَلُهُ مَصْدَرَ التَّوْجِيهِ الرُّوحِيِّ والمَادِّيِّ، فَهُوَ سَاحَةٌ لِلْعِبَادَةِ، ومَدْرَسَةٌ لِلْعِلْمِ، ونَدْوَةٌ لِلْأَدَبِ، وَقَدِ ارْتَبَطَتْ بِفَرِيضَةِ الصَّلَاةِ وصُفُوفِهَا أخْلَاقٌ وتَقَالِيدُ هِيَ لُبَابُ الإِسْلامِ (¬1).

* بِنَاءُ المِنْبَرِ:
وَكَانَ النَّبِيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْطُبُ النَّاسَ مُسْتَنِدًا إلى جِذْعِ نَخْلَةٍ، فَلَمَّا كَثُرَ النَّاسُ -وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ غَزْوَةِ خَيْبَرَ- قَالَ لَهُ أصْحَاُبهُ: لَوِ اتَّخَذْتَ شَيْئًا تَقُومُ عَلَيْهِ إِذَا خَطَبْتَ حَتَّى يَرَاكَ النَّاسُ، فَأَمَرَ ببنَاءَ المِنْبَرِ، فَلَمَّا صُنِعَ لَهُ المِنْبَرُ، وقَامَ عَلَيْهِ حَنَّ (¬2) ذَلِكَ الجِذْعُ إِلَيْهِ، وَسُمعَ لَهُ صِيَاحٌ كَصِيَاحِ الصَّبِيِّ، أَوْ صَوْتٌ كَصَوْتِ العِشَارِ (¬3)، حَتَّى أتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَمَسَحَ عَلَيْهِ فَسَكَنَ.
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحهِ عَنْ جَابرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كَانَ يَقُومُ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِلَى شَجَرَةٍ أَوْ نَخْلَةٍ (¬4)، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ
¬__________
(¬1) انظر فقه السيرة ص 178 للشيخ محمَّد الغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ.
(¬2) حَنَّ: أي نَزَعَ واشتَاقَ، وأصلُ الحنينِ تَرْجِيعُ النَّاقَةِ صَوْتها إثْرَ وَلَدها. انظر النهاية (1/ 435).
(¬3) العِشَارُ: جمع عُشَراء بضم العين وفتح الشين، هي الناقة التي أتى على حَمْلِها عَشَرَةُ أشهر. انظر النهاية (3/ 217).
(¬4) قال الحافظ في الفتح (7/ 306): هو شكٌّ من الراوي، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق وكيع عن عبد الواحد "فقامَ إلى نَخْلَةٍ" ولم يشك.

الصفحة 173