كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)
اقْترَعَتِ الأَنْصَارُ عَلَى سَكَنِهِمْ (¬1).
ولقدْ ضَرَبَ الأَنْصَارُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أرْوَعَ الأمْثِلَةِ في الإيثَارِ لِإِخْوَانِهِمُ المُهَاجِرِينَ، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ إبْرَاهِيمَ بنِ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: لمَّا قَدِمُوا المَدِينَةَ -أي المُهَاجِرُونَ- آخَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ وسَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ، فَقَالَ سَعْدٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ: إنِّي أكْثَرُ الأَنْصَارِ مالًا، فَاقْسِمْ مَالِي نِصْفَيْنِ، وَلِيَ امْرَأَتَانِ، فَانْظُرْ أعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَسَمِّهَا لِي أُطَلِّقُهَا، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فتَزَوَّجْهَا، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ -رضي اللَّه عنه-: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ في أهْلِكَ وَمَالِكَ (¬2)، أيْنَ سُوقُكُمْ؟ .
فَدَلُّوهُ عَلَى سُوقِ بَنِي قَيْنقَاعَ (¬3)، فَمَا انْقَلَبَ (¬4) إِلَّا وَمَعَهُ فَضْلٌ مِنْ أَقِطٍ (¬5) وسَمْنٍ، ثُمَّ تَابَعَ الغُدُوَّ (¬6)، ثُمَّ جَاءَ يَوْمًا وبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ (¬7)، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-:
¬__________
(¬1) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب مقدم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (3929) - وأخرجه في كتاب التعبير - باب العين الجارية في المنام - رقم الحديث (7018). وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (27458).
(¬2) قال الشَّيخ محمد الغزالي في كتابه فقه السيرة ص 180: . . . وقد قَدَّر المهاجرون هذا البَذْل الخَالِصَ فما استَغَلُّوه، ولا نالوا منه إِلَّا بَقْدِر ما يتوَجَّهُون إلى العَمَل الحُرِّ الشَّريف.
(¬3) قال الحافظ في الفتح (5/ 7): بنو قَيْنُقَاع: بفتح القاف: هي قَبِيلَةُ من اليهودِ نُسِبَ السُّوق إليهم.
(¬4) فما انقَلَبَ: أي فما رَجَع. انظر النهاية (4/ 85).
(¬5) الأقِطُ: هو لَبَنٌ مُجَفَّف يابِسٌ. انظر النهاية (1/ 59).
(¬6) قال الحافظ في الفتح (5/ 7): أي داومُ الذهَابِ إلى السُّوق للتِّجارة.
(¬7) قال الحافظ (10/ 292): المُرَادُ بالصُّفْرَةِ صُفْرَةُ الخَلُوقِ، والخَلُوق طِيبٌ يُصنع من زَعْفَرَان وغيره.