كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)

حتَّى تَلقوْنِي عَلَى الحَوْضِ" (¬1).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَالَحَ أَهْلَ البَحْرَيْنِ، وَضَرَبَ عَلَيْهِمُ الجِزْيَةَ، والمُرَادُ بإِقْطَاعِهَا لِلْأَنْصَارِ تَخْصِيصُهُمْ بِمَا يَتَحَصَّلُ مِنْ جِزيَتِهِمْ وخَرَاجِهِمْ، لَا تَمْلِيكَ رَقَبَتِهَا؛ لِأَنَّ أرْضَ الصُّلْحِ لَا تُقْسَمُ وَلَا تُقْطَعُ (¬2).
وفي هَذَا الحَدِيثِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلْأَنْصَارِ لِتَوَقُّفِهِمْ عَنِ الاسْتِئْثَارِ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا دُونَ المُهَاجِرِينَ (¬3).
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى في كِتَابِهِ الكَرِيمِ: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ (¬4) فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ (¬5) وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (¬6).
¬__________
(¬1) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المساقاة - باب القطائع - رقم الحديث (2376) - وأخرجه في كتاب مناقب الأنصار - باب قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- للأنصار: "اصبروا حتَّى تلقوني على الحوض"- رقم الحديث (3792) (3793) (3794).
(¬2) انظر فتح الباري (6/ 404).
(¬3) انظر فتح الباري (5/ 325).
(¬4) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (8/ 69): ولا يجِدُون -أي الأنصار- في أنفُسِهم حَسَدًا للمهاجرين فيما فضَّلهم اللَّه به من المَنْزِلة والشَّرف، والتَّقدِيم في الذِّكْرِ والرُّتْبَةِ.
(¬5) الخَصَاصَةُ: أي الجُوع والضَّعْفُ، وأصلها الفَقْرُ والحَاجَةُ إلى الشيء. انظر النهاية (2/ 36).
(¬6) سورة الحشرة آية (9).

الصفحة 192