كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)

بِأَصْوَاتِهِمْ، واسْتِعْلَائِهِمْ عَلَى الأَمْكِنَةِ التِي يَأْتُونَ بِالأَذَانِ فِيهَا مَعَ مَا في ذَلِكَ مِنَ المَشَقَّةِ التِي لَا خَفَاءَ بِهَا جَعَلُوا ذَلِكَ في طُولِ أعْنَاقِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ إلى ثَوَابِهِمْ عَلَيْهِ فَوْقَ مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ أَهْلِ الأَعْمَالِ بِطَاعَاتِ اللَّهِ سِوَاهُ في انْتِظَارِ الثَّوَابِ له، والجَزَاءَ عَلَيْهِ، وَلَمْ نَجِدْ في تَأْوِيلِ هَذَا الحَدِيثِ مِمَّا قَالَ النَّاسُ فِيهِ أحْسَنَ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ الذِي ذَكَرْنَاهُ فِيهِ، وَاللَّهُ أعْلَمُ بِمَا أرَادَهُ رَسُوله -صلى اللَّه عليه وسلم- في ذَلِكَ (¬1).
وأخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي اللَّه عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا في النِّدَاءِ (¬2) والصَّفِّ الأوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتهموا (¬3) عَليْه، لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ" (¬4).
قَالَ الإِمَامُ النَوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَعْنَى الحَدِيثِ: أَنَّهُمْ لَوْ عَلِمُوا فَضِيلَةَ الأذَانِ، وقَدْرَهَا، وعَظِيمَ جَزَائِهِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا طَرِيقًا يُحَصِّلُونَهُ بِهِ لِضِيقِ الوَقْتِ مِنْ أذَانٍ بَعْدَ أذَانٍ أَوْ لِكَوْنِهِ لَا يُؤَذِّنُ لِلْمَسْجِدِ إِلَّا وَاحِدٌ لَاقْترَعُوا في تَحْصِيلِهِ (¬5).
¬__________
(¬1) انظر شرح مشكل الآثار (1/ 200).
(¬2) قال النووي في شرح مسلم (4/ 132): النِّدَاءُ: هو الأذَانُ.
(¬3) قال الإِمام البغوي في شرح السنة (2/ 230): الاسْتِهَامُ: الاقْتِرَاعُ، ومنه قوله تَعَالَى في سورة الصافات آية (141) عن يونس عليه السلام: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ}.
(¬4) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الأذان - باب الاستهام في الأذان - رقم الحديث (615) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الصلاة - باب تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول فالأول منها - رقم الحديث (437) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الصلاة - باب الأذان - رقم الحديث (1659).
(¬5) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (4/ 132).

الصفحة 217