كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)

خَوْفُ الرَّسُولِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنْ تَعْرَى (¬1) المَدِينَةُ
ولَمَّا اسْتَقَرَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بِالمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، أَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ (¬2) أَنْ يَتْرُكُوا ديَارَهُمْ، وكَانَتْ في أطْرَافِ المَدِينَةِ، بَعِيدَةً عَنِ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، ويَقْتَرِبُوا مِنَ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، فَخَشِيَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنْ تَعْرَى المَدِينَةُ، فَنَهَاهُمْ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِم في صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَتْ ديَارُنَا نَائِيَةً (¬3) عَنِ المَسْجِدِ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَبِيعَ بُيُوتَنَا، فنَقْتَرِبَ مِنَ المَسْجِدِ، فنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَقَالَ: "إِنَّ لَكُمْ بِكُلِّ خُطْوةٍ دَرَجَةٌ" (¬4).
وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَتَحَوَّلُوا إلى قُرْبِ المَسْجِدِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَقَالَ: "يَا بَنِي سَلِمَةَ! دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ" (¬5)، فَقَالُوا: مَا كَانَ
¬__________
(¬1) تَعْرَى: أي تَخْلُو وتَصِيرُ عَرَاء، وهو الفضاء من الأرض. انظر النهاية (3/ 204).
(¬2) قال الحافظ في الفتح (2/ 356): بني سَلِمَةَ: بكسرِ اللام، وهم بَطْن كَبِيرٌ من الأنصار، ثم من الخزرج.
(¬3) نَائِيَةٌ: أيّ بَعِيدَة. انظر لسان العرب (14/ 7).
(¬4) أخرجه الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب فضل كثرة الخطا إلى المساجد - رقم الحديث (664).
(¬5) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (5/ 144): معنَاهُ الزَمُوا دِيَارَكُم، فإنكم إذا لزِمْتُمُوهَا كتبتْ آثاركم، وخُطَاكُم الكثيرة إلى المسجد.

الصفحة 234