كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)
قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ مُعَاذَ بنَ جَبَل، وبِشْرَ بنَ البَرَاءِ بنَ مَعْرُورٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَا لِيَهُودٍ: يَا مَعْشَرَ يَهُودٍ، اتَّقُوا اللَّه وَأَسْلِمُوا، فَقَدْ كُنتمْ تَسْتَفْتِحُونَ عَلَيْنَا بِمُحَمَّدٍ -صلى اللَّه عليه وسلم- ونَحْنُ أَهْلَ شِرْكٍ، وتُخْبِرُونَنَا أَنَّهُ مَبْعُوثٌ، وَتَصِفُونَهُ لَنَا بِصِفَتِهِ.
فَقَالَ سَلامُ بنُ مِشْكَمٍ، أحَدُ بَنِي النَّضِيرِ: مَا جَاءَنَا بِشَيْءٍ نَعْرِفه، وَمَا هُوَ بِالذِي كُنَّا نَذْكُرُهُ لَكُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى في ذَلِكَ مِنْ قَوْلهِمْ: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} (¬1).
وَقَالَ رافِعُ بنُ حُريْمِلَةَ، وَوَهْبُ بنُ يَهُوذَا: مَا قُلْنَا لَكُمْ هَذَا قَطُّ، ومَا أنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ بَعْدَ مُوسَى، وَلَا أرْسَلَ بَشِيرًا وَلَا نَذِيرًا بَعْدَهُ، فَاَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى في ذَلِكَ مِنْ قَوْلهِمَا: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ (¬2) مِنَ
¬__________
(¬1) سورة البقرة آية (89) - والخبر في سيرة ابن هشام (2/ 160).
(¬2) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (3/ 70): يقول اللَّه تَعَالَى مُخاطبًا أهل الكتاب من اليهود والنصارى: إنه قد أَرْسل إليهم رسوله محمدًا -صلى اللَّه عليه وسلم- خاتم النبيين، الذي لا نَبِيَّ بعده ولا رسول، بل هو المُعَقِّبُ لجميعهم؛ ولهذا قال سبحانه: {عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ} أي بعدَ مُدَّة مُتَطَاوِلَةٍ ما بين إرساله -صلى اللَّه عليه وسلم- وعيسى ابن مريم عليه السلام.
وقد اختَلَفوا في مِقْدَارِ هذه الفترَةِ، كم هي؟
والصحيحُ أنها كانت سِتُّمِائة سنة، كما روى ذلك البخاري في صحيحه - رقم الحديث (3948) عن سَلْمان الفارسي -رضي اللَّه عنه-، . . . والمقصودُ أن اللَّه تَعَالَى بعثَ محمدًا -صلى اللَّه عليه وسلم- على فَتْرَةٍ من الرسل، وطُمُوسٍ من السُبُل، وتَغَيُّرِ الأديَانِ، وكثرةِ عِبادة الأوثَانِ والنيرانِ والصُّلْبَانِ، فكانت النعمة به أتمّ النعم، والحاجة إليه أمر عمم.
الصفحة 238