كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)

أصْنَعُ، فَوَاللَّهِ مَا التَفَتَ إِلَيَّ واحد مِنْهُمَا، مَعَ مَا بِهِمَا مِنَ الغَمِّ. قَالَتْ: وسَمِعْتُ عَمِّي أبَا يَاسِرٍ، وهُوَ يَقُولُ لِأَبِي حييِّ بنِ أخْطَبٍ: أهُوَ هُو؟
قَالَ: نَعَمْ وَاللَّهِ، قَالَ: أتعْرِفه وتُثْبِتُهُ؟ . قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا في نَفْسِكَ مِنْهُ؟ قَالَ: عَدَاوَتُهُ وَاللَّهِ مَا بَقِيتُ (¬1).

* مُجَاهَرَةُ اليَهُودِ بِالعِدَاءِ وَبَعْضُ أخْبَارِهِمْ:
لَمَّا رَأَى اليَهُودُ انْتِشَارَ الإِسْلَامِ في المَدِينَةِ حَتَّى لَمْ تبقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الأَنْصَارِ إِلَّا أَسْلَمَ أَهْلُهَا، أظْهَرُوا الحِقْدَ والحَسَدَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ونَصَبُوا العَدَاوَةَ له وَلِأَصْحَابِهِ.
وانْضَافَ إِلَيْهِمْ رِجَالٌ مِنَ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ، مِمَّنْ كَانَ عَسَا (¬2) عَلَى جَاهِلِيَّتهِ، فَكَانُوا أَهْلَ نِفَاقٍ (¬3) عَلَى دِينِ آبَائِهِمْ مِنَ الشِّرْكَ والتَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ، إِلَّا أَنَّ الإِسْلَامَ قَهَرَهُمْ بِظُهُوره، واجْتِمَاعِ قَوْمِهِمْ عَلَيْهِ، فتَظَاهَرُوا بِالإِسْلَامِ، واتَّخَذُوهُ جُنَّةً (¬4) مِنَ القَتْلِ، ونَافَقُوا في السِّرِّ، وَكَانَ هَوَاهُمْ مَعَ يَهُودٍ لِتَكْذِيبِهِمُ النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَجُحُودِهِمُ الإِسْلَامَ (¬5).
¬__________
(¬1) انظر سيرة ابن هشام (2/ 132).
(¬2) عَسَا: كَبِرَ وأسَنَّ، وعسَا عَسْوَا: غلُظَ واشتَدَّ. انظر لسان العرب (9/ 213).
(¬3) لم يَظهَر النفاق في المدينة إلا بعدَ غزوة بدر الكبرى كما سيأتي.
(¬4) جُنَّة: أي وِقَايَةٌ، ومنه قوله -صلى اللَّه عليه وسلم- كما في الصحيحين في الصوم: "الصَّومُ جُنّة" أي يَقِي صاحبَهُ ما يُؤذيهِ من الشَّهوات. انظر النهاية (1/ 297).
(¬5) انظر سيرة ابن هشام (2/ 127).

الصفحة 240