كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)

فَقَدْ أُوْتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ} (¬1).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ: لَوْ كَانَ مَاءُ البَحْرِ مِدَادًا (¬2) لِلْقَلَمِ الذِي تُكْتَبُ بِهِ كَلِمَاتُ رَبِّي وَحِكَمُهُ وآيَاتُهُ الدَّالَّةُ عَلَيْهِ {لَنَفِدَ الْبَحْرُ} أيْ لفَرَغَ البَحْرُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَغَ مِنْ كِتَابَةِ ذَلِكَ {وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ} أيْ بِمِثْلِ البَحْرِ آخَرٌ، ثُمَّ آخَرٌ، وَهَلُمَّ جَرًّا، بُحُورٌ تُمِدُّهُ ويُكْتَبُ بِهَا، لَمَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ (¬3).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَده، والطَّيَالِسِيُّ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: حَضَرَتْ عِصَابَةٌ (¬4) مِنَ اليَهُودِ يَوْمًا إِلَى النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَقَالُوا: يَا أبَا القَاسِمِ، حَدِّثْنَا عَنْ خِلَالٍ (¬5) نَسْأَلُكَ عَنْهَا، لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا نَبِيٌّ.
فَقَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ، وَلَكِنِ اجْعَلُوا لِي ذِمَّةَ اللَّهِ (¬6)، ومَا أَخَذَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى بَنِيهِ، لَئِنْ أَنَا حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا فَعَرَفْتُمُوهُ، لَتُتَابِعُنِّي عَلَى الإِسْلَامِ".
¬__________
(¬1) سورة الكهف آية (109) - والحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (2309) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب العلم - رقم الحديث (99).
(¬2) المِدَادُ: هو الحِبْر الذي يُكتب به. انظر لسان العرب (13/ 52).
(¬3) انظر تفسير ابن كثير (5/ 204).
(¬4) العِصَابَةُ: هم الجَمَاعَةُ من الناس من العَشَرَةِ إلى الأرْبَعين. انظر النهاية (3/ 220).
(¬5) الخِلَالُ: الخِصَالُ. انظر لسان العرب (4/ 201).
(¬6) الذِّمَّةُ: هي العَهْدُ والضَّمَان. انظر النهاية (2/ 155).

الصفحة 251