كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)
السَّمَاءَ، وهُوَ أحَقُّ الخَلْقِ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ ذَلِكَ، وأيْضًا فَالتَّوَكُّلُ لا يُنَافِي تَعَاطِي الأَسْبَابِ؛ لأَنَّ التَّوَكُّلَ عَمَلُ القَلْبِ وهِيَ عَمَلُ البَدَنِ، وَقَدْ قَالَ إبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} (¬1)، وَقَالَ الذِي سَأَلهُ، أعْقِلُ نَاقَتِي وَأَتَوَكَّلُ، أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ؟
قَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ" (¬2)، فأشَارَ إِلَى أَنَّ الِاحْتِرَازَ لَا يَدْفَعُ التَّوَكُّلَ، وَاللَّهُ أعْلَمُ (¬3).
وَأَخْرَجَ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ عَنْ أبَيِّ بنِ كَعْبٍ -رضي اللَّه عنه- أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصْحَابُهُ المَدِينَةَ، وآوَتْهُمُ الأَنْصَارُ، رَمَتْهُمُ العَرَبُ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، كَانُوا لا يَبِيتُونَ إِلَّا بِالسِّلَاحِ، ولا يُصْبِحُونَ إلَّا فِيهِ (¬4).
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاودَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَهْلِ بنِ الحَنْظَلِيَّةِ قَالَ: ثُوِّبَ (¬5) بالصَّلَاةِ يَعْنِي صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصَلِّي وهُوَ
¬__________
(¬1) سورة البقرة آية (260).
(¬2) حديث صحيح أخرجه الترمذي في جامعه - كتاب صفة القيامة والرقائق والورع - باب (50) - رقم الحديث (2686) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الرقائق - باب الورع والتوكل - رقم الحديث (731).
(¬3) انظر فتح الباري (6/ 176) - (11/ 373).
(¬4) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب شأن نزول آية {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ} - رقم الحديث (3564) - والبيهقي في دلائل النبوة (3/ 6).
(¬5) التَّثْوِيبُ في صلاةِ الفَجْرِ: هو أن يَقُولَ المؤذن: "الصَّلاةُ خيرٌ منَ النَّوم" مرتين. انظر النهاية (1/ 221).
الصفحة 268