كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)

اللَّهُ، ويَصْبِرُونَ عَلَى الأَذَى، قَالَ تَعَالَى: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (¬1)، وَقَالَ تَعَالَى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} (¬2).
وكَانَ النَّبِيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يتأَوَّلُ العَفْوَ مَا أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ حَتَّى أَذِنَ اللَّهُ فِيهِمْ -أي فِي القِتَالِ- (¬3).
فَلَمَّا قَوِيتْ شَوْكَةُ المُسْلِمِينَ واشْتَدَّ سَاعِدُهُمْ بِإِسْلَامِ الأَنْصارِ، أنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الإِذْنَ بِالقِتَالِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَفْرِضْهُ عَلَيْهِمْ.
أَخْرَجَ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ، والنَّسَائيُّ في السُّنَنِ الكُبْرَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ عَوْفٍ -رضي اللَّه عنه- وأَصْحَابًا له أَتَوا النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا فِي عِزٍّ ونَحْنُ مُشْرِكُونَ، فَلَمَّا آمَنَّا صِرْنَا أَذِلَّةً، فَقَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنِّي أُمِرْتُ بِالعَفْوِ، فَلَا تُقَاتِلُوا"، فَلَمَّا حَوَّلَهُ اللَّهُ إِلَى المَدِينَةِ، أُمِرَ بِالقِتَالِ (¬4).
¬__________
(¬1) سورة آل عمران آية (186).
(¬2) سورة البقرة آية (109).
(¬3) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} - رقم الحديث (4566).
(¬4) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب الجهاد - رقم الحديث (2424)، وقال الحاكم: =

الصفحة 281