كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)
وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ في السُّنَنِ الكُبْرَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتَالِ كَمَا أخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} (¬1).
فَكَانَ هَذَا الإِذْنُ بِالقِتَالِ لِإِزَالَةِ البَاطِلِ وَدَحْرِ (¬2) بَغْيِ وَظُلْمِ قُرَيْشٍ عَنِ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ الإِذْنِ بِقِتَالِ المُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا سَيَأْتِي، وَكَانَ مِنَ الحِكْمَةِ إزَاءَ هَذِهِ الظُّرُوفِ -التِي مَبْعَثُهَا الوَحِيدُ هُوَ قُوَّةُ قُرَيْشٍ وَتَمَرُّدُهَا-، أَنْ يبسُطَ المُسْلِمُونَ سَيْطَرَتَهُمْ عَنْ طَرِيقِ قُرَيْش التِّجَارِيِّ المُؤَدِّيةِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الشَّامِ، واخْتَارَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لِبَسْطِ هَذِهِ السَّيْطَرَةِ خُطَّتَيْنِ:
الأُولَى: إرْسَالُ البُعُوثِ والسَّرَايَا، واحِدَةً تِلْوَ الأُخْرَى لِمُهَاجَمَةِ قَوَافِلِ قُرَيْشٍ.
الثَّانِيَةُ: السَّعْيُ إِلَى عَزْلِ قُرَيْشٍ بِالدُّخُولِ فِي مُعَاهَدَاتٍ دِفَاعِيَّةٍ، وعَدَمِ اعْتِدَاءً مَعَ القَبَائِلِ المُحِيطَةِ بِالمَدِينَةِ، وَالتِي تَخْتَرِقُ قَوَافِلُ قُرَيْشٍ أرَاضِيهَا، وَهِيَ فِي طَرِيقِهَا إِلَى الشَّامِ، وَقَدْ عُقِدَتْ مُعَاهَدَاتٌ أثْنَاءَ دَوْرِيَّاتِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- العَسْكَرِيَّةِ كَمَا سَيَأْتِي (¬3).
¬__________
= التفسير - باب ومن سورة الحج - رقم الحديث (3444).
(¬1) أخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب التفسير - باب سورة الحج - رقم الحديث (11283) وأورده الحافظ ابن حجر رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في الفتح (5/ 8) وصحح إسناده.
(¬2) الدَّحْرُ: هو الدَّفْعُ بعُنْفب على سبيل الإهانَةِ والإذْلالِ. انظر النهاية (2/ 97).
(¬3) انظر الرحيق المختوم ص 196.
الصفحة 285