كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)
وَأَرْجَفَ (¬1) اليَهُودُ في المَدِينَةِ، قَصْدَ إِشْعَالِ الفِتْنَةِ، فَلَمَّا أكْثر النَّاسُ في ذَلِكَ مِنَ العِتَابِ وَالإِرْجَافِ مِنَ الأَعْدَاءَ، أنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ (¬2) وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ (¬3) وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (¬4).
فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَاتُ فَرِحَ المُسْلِمُونَ، وَقَدْ فَرَّجَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الخَوْفِ وَالهَمِّ (¬5)، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَبَضَ العِيرَ وَالأَسِيرَيْنِ، وَبَعَثَتْ إِلَيْهِ
¬__________
(¬1) أرجَفَ القوم: إذا خاضُوا في الأخبار السيِّئَة وذِكر الفتن. انظر لسان العرب (5/ 153).
(¬2) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تفسيره (1/ 576): أي إن كنتم قَتَلتم في الشهر الحرام فقد صَدُّوكم عن سبيلِ اللَّه مَعَ الكُفْرِ به، وعن المسجد الحرامِ، وإخرَاجكم منه وأنتم أهله أكبَرُ عند اللَّه من قتل مَنْ قتلتم منهم.
(¬3) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تفسيره (1/ 576): أي قد كانوا يَفْتِنون المسلم في دينه، حَتَّى يَرُدوه إلى الكفر بعد إيمانه، فذلك أكبرُ عند اللَّه من القتل.
(¬4) سورة البقرة آية (217).
(¬5) قال ابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في زاد المعاد (3/ 152): والمقصودُ أَنَّ اللَّه سبحانه وتَعَالَى حَكَم بين أوليائه وأعدائه بالعدلِ والإنصافِ، ولم يُبَرِّئ أولياءَهُ من ارتكاب الإثم بالقتالِ في الشهرِ الحرام، بل أخبر أنَّه كبيرٌ، وأن ما عليه أعداؤه المشركون أكبَرُ وأعظَمُ من مُجَرَّد القتال في الشهر الحرام، فهم أحَق بالذمِّ والعيب والعقوبةِ، لا سيما وأولياؤه =
الصفحة 308