كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)

قُرَيْشٌ في فِدَاءِ عُثْمَانَ بنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَالحَكَمِ بنِ كَيْسَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لَا نَفْدِيكُمُوهُمَا حَتَّى يَقْدَمَ صَاحِبَانَا" -يَعْنِي سَعْدَ بنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَعُتْبَةَ بنَ غَزْوَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وكَانَا قَدْ تَخَلَّفَا عَنِ القَوْمِ قَبْلَ وُصُولهِمْ نَخْلَةً، بَحْثًا عَنْ بَعِيرِهِمُ الذِي أضَلَّاهُ- فَإِنَّا نَخْشَاكُمْ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ تَقْتُلُوهُمَا نَقْتُلْ صَاحِبَيْكُمْ.
فَقَدِمَ سَعْدٌ وعُتْبَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَفَدَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِنْهُمْ، فَأَمَّا الحَكَمُ بنُ كَيْسَانَ فَأَسْلَمَ، فَحَسُنَ إسْلَامُهُ، وأقَامَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حَتَّى قُتِلَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ شَهِيدًا، وَأَمَّا عُثْمَانُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ فَلَحِقَ بِمَكَّةَ فَمَاتَ بِهَا كَافِرًا (¬1).
وَبَعْدَ وُقُوعِ مَا وَقَعَ في سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ -رضي اللَّه عنه- تَحَقَّقَ خَوْفُ
¬__________
= كانوا متأوِّلين في قتالهم ذلك، أو مقَصِّرِين نوعَ تقصيرٍ يغفره اللَّه لهم في جَنبِ ما فعلوه من التوحيد والطاعات، والهجرةِ مع رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-، وإيثارِ ما عِند اللَّه، فهم كما قيل:
وإذا الحبيبُ أتَى بِذَنْبٍ واحِدٍ ... جاءَتْ مَحَاسِنُهُ بألْفِ شَفِيع
فكيفَ يُقاس بِبَغِيض عدوٍ جاء بكل قَبِيح، ولم يأتِ بشَفِيعٍ واحدٍ من المحاسِنِ.
(¬1) أخرج قِصَّة سرية عبد اللَّه بن جحش -رضي اللَّه عنه-: النسائي في السنن الكبرى - كتاب السير - باب البكاء عند التشييع - رقم الحديث (8752) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (4880) - (4881) - وابن سعد طبقاته (2/ 253) - وابن إسحاق في السيرة (2/ 213) - والبيهقي في دلائل النبوة (3/ 17) - والطبراني بإسناد حسن كما قال الحافظ في الفتح (1/ 209)، ثم قال الحافظ: ثم وجدت له شاهدًا من حديث ابن عباس عند الطبري في التفسير، فبمجموع هذه الطرق يكون صَحيحًا.
قُلتُ: أشارَ البخاري في صحيحه إلى هذه السَّرِية: فقد أخرج في كتاب العلم - باب ما يذكر في المناولة: واحتجَّ بعض الحجاز في المُنَاولة بحديث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حيث كتَبَ لأمِير السرية كِتابًا وقال: لا تَقْرأه حَتَّى تبلُغ مكان كذا وكذا، فلما بلغ ذلك المكان قَرَأه علي الناس، وأخبرهم بأمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.

الصفحة 309