كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)

ثُمَّ صُرِفَتِ القِبْلَةُ بَعْدُ (¬1).
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الكَعْبَةِ (¬2) قِبْلَةَ أبِيهِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلذَلِكَ كَانَ -صلى اللَّه عليه وسلم- حِينَ يُصَلِّي بِمَكَّةَ يَجْعَلُ الكَعْبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَيْتِ المَقْدِسِ، فيصِيبُ القِبْلَتَيْنِ مَعًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيح عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي وَهُوَ بِمَكَّةَ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وَالكَعْبَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَبَعْدَمَا هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ صُرِفَ إلَى الكَعْبَةِ (¬3).
فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لَمْ يَعُدْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ، مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الكَعْبَةِ وَبَيْتِ المَقْدِسِ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُكْثِرُ مِنَ الدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَكَانَ مِمَّا يَرْفَعُ يَدَيْهِ، وطَرْفَه إِلَى السَّمَاءَ سَائِلًا اللَّهَ تَعَالَى ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (¬4) وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} (¬5)، فتَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَحْوَ الكَعْبَةِ.
¬__________
(¬1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (2252).
(¬2) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه - كتاب الصلاة - باب التوجه نحو القبلة - رقم الحديث (399) - عن البراء بن عازب -رضي اللَّه عنه- قال: . . . وكان رَسُول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُحبُّ أن يُوجَّه إلى الكعبة.
(¬3) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (2991).
(¬4) أخرج النسائي في السنن الكبرى بسند حسن - رقم الحديث (5674) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (5947) عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: "أوَّل ما نُسِخ من القُرآن القِبْلة".
(¬5) سورة البقرة آية (144).

الصفحة 312