كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)

وَشَكٌّ، وَقَالُوا: {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} أيْ: مَا لِهَؤُلَاءِ تَارَةً يَسْتَقْبِلُونَ كَذَا، وَتَارَةً يَسْتَقْبِلُونَ كَذَا؟ (¬1).
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ (¬2) مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (¬3).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: أيْ: هُوَ المَالِكُ المُتَصَرِّفُ الحَاكِمُ الذِي لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، الذِي يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ في خَلْقِهِ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ في شَرْعِهِ، وَهُوَ الذِي يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ عَنِ الطَّرِيقِ القَوِيمِ، وَلَهُ في ذَلِكَ الحِكْمَةُ التِي يَجِبُ لَهَا الرِّضَا وَالتَّسْلِيمُ (¬4).
أَمَّا المُسْلِمُونَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَيْفَ حَالُنَا بِصَلَاتِنَا إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ؟ وَكَيْفَ بِمَنْ مَاتَ مِنْ إخْوَانِنَا وَهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ؟
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ
¬__________
(¬1) انظر تفسير ابن كثير (1/ 454).
(¬2) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تفسيرة (1/ 452): قيل المرادُ بالسفهاء هاهنا: المُشركون، مُشْرِكو العرب، وقيل أحبارُ يَهُود، وقيل المُنَافقون، والآية عامَّةٌ في هؤلاء كلهم، واللَّه أعلم.
(¬3) سورة البقرة (142).
(¬4) انظر البداية والنهاية (3/ 268 - 269).

الصفحة 316