كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)

وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ (¬1)، فَأَمِنَاهُ، فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ بِرَاحِلَتَيْهِمَا، اللَّتَيْنِ أَعَدَّهُمَا أَبُو بَكْرٍ لِلْهِجْرَةِ (¬2).

* تَنَاقُضٌ غَرِيبٌ:
وَكَانَتْ قُرَيْشٌ رُغْمَ عَدَائِهَا لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَرَمْيِهِ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، عَظِيمَةَ الثِّقَةِ بِأَمَانَتِهِ، وَصِدْقِهِ، وَفتوته، فَلَيْسَ بِمَكَّةَ أَحَدٌ عِنْدَهُ شَيْءٌ يَخْشَى عَلَيْهِ إِلَّا وَضَعَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لثِقَتِهِ بِهِ، فَكَانَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- الشَّيْءُ الكَثِيرُ مِنْ هَذِهِ الوَدَائِعِ، فَأَمَرَ عَلِيًّا -رضي اللَّه عنه- بِأَنْ يَتَخَلَّفَ بِمَكَّةَ حَتَّى يَؤَدِّيَهَا عَنْهُ.
وَصَدَقَ اللَّهُ العَظِيمُ إِذْ يَقُولُ: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} (¬3).

* تَطْوِيقُ المُشْرِكِينَ مَنْزِلَ الرَّسُولِ -صلى اللَّه عليه وسلم-:
رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إِلَى مَنْزِلي يَنْتَظِرُ مَجِيءَ اللَّيْلِ، وَهُوَ عَلَى عِلْمٍ بِمَا ائْتَمَرَتْ بِهِ قُرَيْشٌ مِنَ المَكْرِ، فَلَمَّا كَانَتْ عَتَمَةُ (¬4) اللَّيْلِ اجْتَمَعَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ عَلَى
¬__________
(¬1) قال الحافظ في الفتح (5/ 201): وفي الحديث استِئْجَار المسلم الكافر على هِدَاية الطريق إذا أمِنَ إليه، واستئجار الاثنين وَاحدًا على عَمَلٍ واحد.
(¬2) أخرج ذلك: البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب هجرة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (3905) - وابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب في هجرته -صلى اللَّه عليه وسلم- وإلى المدينة - رقم الحديث (6277) - (6868).
(¬3) سورة الأنعام آية (33) - وانظر الخبر فِي سيرة ابن هشام (2/ 99).
(¬4) عَتَمَةُ اللَّيْلِ: أي ظُلْمَتُهُ. انظر النهاية (3/ 164).

الصفحة 40