كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 2)

* مُبَاشَرَةُ المَلَائِكَةِ فِي قَتْلِ وَأَسْرِ الكُفَّارِ:
أَمَّا المَلَائِكَةُ فَقَدْ نَزَلَتْ أَرْضَ المَعْرَكَةِ، وَشَدُّوا عَلَى المُشْرِكِينَ، وَشَارَكُوا الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي قتلِ وَأَسْرِ المُشْرِكِينَ، وَلَمْ تُبَاشِرِ المَلَائِكَةُ القِتَالَ فِي أَيِّ غَزْوَةٍ مِنْ غَزَوَاتِ الرَّسُولِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إِلَّا فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، أَمَّا فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ فَقَدْ نَزَلَتْ لِحِمَايَةِ الرَّسُولِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَأَمَّا فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ فنَزَلَتْ لِإِرْهَابِ الكُفَّارِ.
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَمْ تُقَاتِلِ المَلَائِكَةُ فِي يَوْمٍ سِوَى بَدْرٍ مِنَ الأَيَّامِ، وَكَانُوا يَكُوُنونَ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الأَيَّامِ عَدَدًا وَمَدَدًا لَا يَضْرِبُونَ (¬1).
وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ أَمَامَهُ، إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ، وَصَوْتُ الفَارِسِ يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ، فنَظَرَ إِلَى المُشْرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا، فنَظَرَ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ (¬2) أنْفَهُ، وَشُقَّ وَجْهُهُ كَضَرْبَةِ السَّوْطِ، فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ -أَي اخْضَرَّ لَوْنُهُ-، فَجَاءَ الأَنْصَارِيُّ فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَقَالَ: "صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ" (¬3).
¬__________
(¬1) انظر سيرة ابن هشام (2/ 245).
(¬2) قال الإمام النووي في شرح مسلم (12/ 74): الخَطمُ: الأثَرُ على الأنف.
(¬3) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب الإمداد بالملائكة يوم بدر - رقم الحديث (1763) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب غزوة بدر - رقم الحديث (4793).

الصفحة 419